فهرس الكتاب

الصفحة 285 من 604

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد.

ما كان لأمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن يقول مقالته البليغة: (لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام الله) ؛ إلا وقد حقق ذلك عملًا وسلوكًا.

فما مات عثمان رضى الله عنه حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه. أولئك المؤمنون حقًا الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تعالى أهلين من الناس: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته» . [1]

فإن الإقبال على القرآن والانتفاع به تلاوة وتدبرًا وعملًا متحقق لأصحاب القلوب الحية، كما قال تعالى {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70) } [يس: 69، 70] . أي حي القلب.

فإذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وهيئ سمعك لتلقيه وتدبر معانيه، لا لمجرد الاستلذاذ بسماعه وتغنِّيه، فإنما أنزله الله تعالى لتدبره، والعمل به فاعلًا عاملًا ومغيرًا في حياتنا .. قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) } (ص: 29) .

وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدى إلى معرفة ما يُدْبِر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة، لأن من اقتنع بظاهر المتلوّ، لم يستفد منه كبير فائدة، وكان مثله كمثل من له لقحة درور (أى إبل كثيرة اللبن) لا يحلبها، ومهرة نثور (أى كثيرة الولد) لا يستولدها. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيدٌ وصبيانٌ لا علم لهم بتأويله: حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفا، وقد والله أسقطه كله، ما يُرَى للقرآن عليه أثرٌ في خلقٍ ولا عملٍ، والله

(1) (صحيح الجامع 2165) ... أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن أنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت