ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء ولا الوَرِعَة (= أهل الورع) ؛ لا كثَّر الله في الناس مثل هؤلاء. اللهم اجعلنا من العلماء المتدبرين، وأعذنا من القراء المتكبرين. [1]
قال الغَزَّالِيُّ في «الإحْيَاءِ» :
اعْلَمْ أن القرآن مِنْ أَوَّلِه إلى آخِرِه تحذيرٌ وتخويفٌ لاَ يَتَفَكَّرُ فيه مُتَفَكِّرٌ إلا وَيَطُولُ حُزْنُهُ، وَيَعْظُمُ خَوْفُه إنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمَا فِيه، وَتَرى النَّاسَ يَهْذُّونَهُ هَذًّا، يُخْرِجُونَ الحُروفَ مِنْ مُخَارِجِها، ويَتَنَاظَرُونَ على خَفْضِها ورَفْعِها وَنَصْبِها، لاَ يَهُمُّهُمْ الالتفات إلى معانيها والعمل بما فِيها، وَهَلْ في العِلم غُرُورٌ يَزِيدُ على هذا؟! انتهى من كِتَابِ ذَمِّ الغُرُور.
قيل في تفسير قوله تعالى: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} أي بجِد واجتهاد، وأخذه بالجد أن يكون متجردًا له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره.
قَالَ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا فِقْهَ فِيهَا، وَلَا فِي قِرَاءَةٍ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا. وعن أبي سليمان الداراني: أنه قال إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال أو خمس ليال، ولولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها.
يقول تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْب أو ألقى السمع وهو شهيد} (ق: 37) .
أقول: إن القضية هي ما وراء التفسير وليس التفسير بمجرده هو الذي أروم في هذه السلسلة المباركة، فالقضية تتعدى حل الألفاظ وإدراك معاني التركيب إلى الغوص في عمق المعنى ومواصلة البحث عن قيم الإسلام الثابتة وتجدد معانيه لتلائم العصر، والتنقيب عن معاني تجدد اليقين وزيادة الإيمان في ثنايا وحنايا نظمه المعجز.
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (4/ 90)