(غافر: 60) أي صاغرين حقيرين، فقابل الاستكبار بالذلة والصغار. فتأمل عظمة ودقة وبلاغة القرآن العظيم في استخدام تراكيبه ودلالاته وسياقها متآخية تخاطب الوجدان والشعور والعقل على أعلى المستويات. فالحمد لله رب العالمين.
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) } (البقرة: 91)
{وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ} أيّ صدِّقوا بالقرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يهود أهل المدينة ومن حولها. {قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا} في التوراة وبموسى- عليه السلام- {وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ} يعني بما سواه وهو القرآن. {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ} أي القرآن هو الصدق، وهو منزَّل من الله تعالى موافق لما معهم (مما لم تطاله يد التحريف) ، وفي أصول العقيدة والأخلاق، فإنهم إذا جحدوا بالقرآن صار جحودًا لما معهم، لأنهم جحدوا بما هو مصدق لما معهم، فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لم تأتنا بمثل الذي أتانا به أنبياؤنا.
قال الله تعالى يرد عليهم ويوبخهم: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ} وقد جاءوا بالبينات أي بالعلامات {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي إن كنتم تعون أنكم مصدقين بالأنبياء.
فهذا اللفظ للمستأنف وهو قوله {فَلِمَ تَقْتُلُونَ} ولكن المراد منه الماضي وإنما خاطبهم وأراد به آباءهم.
وفي الآية دليل أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها، لأنهم كانوا راضين بقتل آباءهم الأنبياء، فسماهم الله تعالى قاتلين.