فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 604

وفي الآية دليل أن من ادعى أنه مؤمن، ينبغي أن تكون أفعاله مصدِّقة لقوله، لأنهم كانوا يدَّعون أنهم مؤمنون بما معهم. وأي دينٍ وأى إيمان جُوَّز فيه قتل الأنبياء؟. [1]

وقوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ... الآية} ردٌ من الله تعالى عليهم في أنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيبٌ منه سبحانه لهم في ذلك، واحتجاج عليهم. فإن النبوة والكتاب لا يختلف من حيث ما هو نبوة وكتاب، ومن لم يؤمن ببعضه، فهو في حكم من لم يؤمن بشيء منه، ولهذا قال الله لهم آنفًا: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ، فأثبت لهم أشد العذاب الذي يستحقه الكافر المطلق ..

و {تقتلون} هنا كما بيَّنا بنظيره آنفا؛ أن استعمال صيغة المضارعة في التعبير عن قتل آبائهم الأنبياءَ في الماضي هو لعدة أمور: 1 - أنهم على دين آبائهم وديدنهم في الاعتقاد الباطل والعمل الفاسد المفسد، فصح أنهم مثلهم ومعهم مشتركون في كل جرم فعلوه، فخوطبوا به.

2 -أن لشناعة فعلهم وقتلهم أنبياء الله فجورًا وكفرًا لزم استحضار تلك الصورة لذلك الجرم البشع على صيغة الحاضر.

3 -أنهم ما زالوا في تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كذبوا الرسل من قبل، فصح خطابهم بفعل آبائهم الذين سنُّوا لهم تلك السنة المردية المهلكة.

كما أن عادة العرب إذا أرادوا أن يخبروا عن تعاطي فعلٍ مُداوَمٍ عليه قرنوا لفظ الماضي بالمستقبل تنبيها على المداومة عليه نحو قول الشاعر:

ولقد أمُرُّ على الَّلئيم يسبنُّي ... فمضيتُ ثَمَّة قُلتُ لا يعنينِي.

كما أنه في اللغة الفصيحة جائزٌ سوق الماضي بمعنى المستقبل، وسوق المستقبل بمعنى الماضي. قال الحطيئة:

(1) تفسير السمرقندي = بحر العلوم (1/ 73) بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت