وأقول: لم يكن هناك شك في عربية أهل المدينة وفصاحتهم وفهمهم، ولكن لما كان الغرض اثبات معجزة القرآن وتحديه للمشركين من أجل إثبات صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم في المرحلة المكية كان الخطاب أوجز وأقرب إلى التفنن في ضروب البلاغة والفصاحة لبيان الإعجاز واثبات النبوة وأدعى لكسر عنادهم وشركهم .. وأما المرحلة المدنية فكان الخطاب لأهل الإيمان في معظمه ومن ثم وافق أن يكون دستورًا مفصلًا مشروحا لحياتهم، وهنا ينتفي داعي الايجاز .. فجاءت عظمة الأسلوب وروعة الخطاب في مناسبته للمخاطبين وظروف الدعوة مناسبةً إعجازية ربانية رائعة ...
ولأن القرآن بعظمته الراقية يتناسب فيه مستوى وطبيعة الخطاب مع زمان ومكان وظروف وحال المخاطبين وطبيعة المرحلة التي تمر بها الدعوة الإسلامية في عمرها .. نجد هذا التنوع والمناسبة في الخصائص العامة لموضوعات وأساليب الخطاب في كلا العهدين المكي والمدني .."آمنا به كل من عند"
ربنا"."
قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [1] : وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي لَطَائِفِ نَظْمِ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي بَدَائِعِ تَرْتِيبِهَا عَلِمَ أَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا أَنَّهُ مُعْجِزٌ بِحَسْبِ فَصَاحَةِ أَلْفَاظِهِ وَشَرَفِ مَعَانِيهِ؛ فَهُوَ أَيْضًا بِسَبَبِ تَرْتِيبِهِ وَنَظْمِ آيَاتِهِ .. وَلَعَلَّ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّهُ مُعْجِزٌ بِسَبَبِ أُسْلُوبِهِ أَرَادُوا ذَلِكَ؛ إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ جُمْهُورَ الْمُفَسِّرِينَ معرضين عن هَذِهِ اللَّطَائِفِ غَيْرَ مُنْتَبِهِينَ لِهَذِهِ الْأَسْرَارِ .. وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا كَمَا قِيلَ:
وَالنَّجْمُ تَسْتَصْغِرُ الْأَبْصَارُ صُورَتَهُ وَالذَّنْبُ لِلطَّرْفِ لَا لِلنَّجْمِ فِي الصِّغَرِ.
(1) نقلا عن الإتقان في علوم القرآن (3/ 370) :