قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) } .
ينعت، تبارك وتعالى، بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب - وهو التوراة- فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأوَّلوها على غير معناها الحق. وقد أرسل الله الرسل والنبيين من بعد موسى - عليه السلام - يحكمون بشريعته، حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم- عليه السلام -، جاء بشريعةٍ للتخفيف عنهم، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآيةٍ من ربكم} الآية (آل عمران: 50) . ولهذا أعطاه الله من البينات، وهي: المعجزات الواضحات. قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله، وإبرائه الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده بروح القدس، وهو جبريل عليه السلام - ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به. فاشتد تكذيب بني إسرائيل وحسدهم له، وأرادوا ان يقتلوه، وهكذا كان دأب بني إسرائيل مع كل أنبياء الله عليهم السلام بالاستكبار، ففريقا يكذبونه، وفريقا يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا بكل حيلةٍ في مخالفتها.