كأنه يقول: اعلموا يا بني إسرائيل أنه إن كان لطول الأمد على النبوة وبعد العهد بالرسل يد في تغيير الأوضاع ونسيان الشرائع، وكان في ذلك وجهٌ لاعتذار بعض المتأخرين، فإن ذلك لا يتناولكم، فإن الرسل قد جاءتكم تترى ثم كان من أمركم معهم ما كان. [1]
وفي الآيات انتقال من الاحتجاج على بني إسرائيل في فعالهم مع الرسول موسى عليه السلام بما قابلوه به من العصيان وتحريف التوراة؛ إلى الاحتجاج عليهم بسوء مقابلتهم للرسل الذين أتوا بعد موسى مؤيدين لدينه وشريعته، ثم جاء عيسى مؤيدا وناسخا ومبشرا فكانت مقابلتهم لأولئك كلهم بالإعراض والاستكبار، وتلك أمارة على أنهم إنما يعرضون عن الحق لأجل مخالفته أهواءهم، وإلا فكيف لم يجدوا في كل الرسل فيهم في تلك العصور ما يوافق الحق ويتمحض للنصح. وإن قوما هذا دأبهم يرثه الخلف عن السلف لجديرون بزيادة التوبيخ ليكون هذا حجة عليهم في أن تكذيبهم للدعوة المحمدية هو فقط عن مكابرة وحسد؛ إذ لو كانت معاندتهم للإسلام هي أولى فعلاتهم لأوهموا الناس أنهم ما أعرضوا إلا لما تبين لهم من بطلان دين محمد صلى الله عليه وسلم، فكان هذا مرتبطا بقوله: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) } (البقرة: 41) ، ومقدمة للاحتجاج عليهم في مقابلتهم للدعوة المحمدية الآتي ذكرها في قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) } (البقرة: 88) . [2]
وقوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا} صدَّر الجملة بالقسم زيادة في الرد عليهم، والتأكيد على إنعامه تعالى عليهم ومقابلتهم إنعامه بالكفران والتكذيب.
(1) تفسير المنار (1/ 311)
(2) التحرير والتنوير لابن عاشور (1/ 592) الدار التونسية للنشر تونس. بتصرف.