فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 604

قلتُ: وفي هذه الآيات الكريمات نلاحظ هذا التدفق البلاغي الرائع الأداء للحوار في القرآن الكريم بين {قيل} و {قالوا} ؛ فنرى الآيات تصور الحالات النفسية والفكرية للمنافقين من خلال أسلوب حواري كاشف يفضح دخائل هؤلاء المارقين ويكشف ألاعيبهم في كل زمانٍ .. حوار يصور حالة التخبط والتحير والفساد في التصور والضبابية في الفهم والرؤية في نفوس هؤلاء .. فهنيئًا لمن يقرأ هذا القرآن العظيم بتأملٍ وفهم وشعور.

"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (18) " (سورة البقرة)

المثل عبارة عن قول يشبه قولا آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره، ولهذا ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه، وهو أحد أقسام القرآن السبعة ولما ذكر الله تعالى حقيقة وصف المنافقين عقبه بضرب المثل زيادة في الكشف والبيان، لأنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، ولأن المثل تشبيه الخفي بالجلي، فيتأكد الوقوف على ماهيته وذلك هو النهاية في الإيضاح، وشرطه أن يكون قولا فيه غرابة من بعض الوجوه.

قال البغوى رحمه الله تعالى: (مثلهم في نفاقهم كمثل رجلٍ أوقد نارا في ليلةٍ مظلمة في صحراء مقفرةٍ، فاستدفأ ورأى ما حوله، فاتقى مما يخاف؛ فبينما هو كذلك إذا طُفئت ناره، فبقي في ظلمةٍ خائفًا متحيرًا، فكذلك المنافقون بإظهار كلمة الإيمان أمنوا على أموالهم وأولادهم وناكحوا المؤمنين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم فذلك نورهم؛ فإذا ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف. وقيل: ذهاب نورهم في القبر. وقيل: يوم القيامة حيث يقولون للذين آمنوا"انظرونا نقتبس من نوركم"كما في الآية. وقيل: ذهاب نورهم بإظهار عقيدتهم وفضحهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم .. فضرب النار مثلا ثم لم يقل أطفأ الله نارهم لكن عبَّر بإذهاب النور عنه لأن الضياء نور وحرارة فيذهب نورهم وتبقى الحرارة عليهم. وقال مجاهد: إضاءة النار إقبالهم إلى المسلمين والهدى وذهاب نورهم إقبالهم إلى المشركين والضلالة .. وقال عطاء ومحمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت