بن كعب: نزلت في اليهود. وانتظارهم خروج النبي صلى الله عليه وسلم واستفتاحهم به على مشركي العرب فلما خرج كفروا به ثم وصفهم الله فقال:
{صُمٌ} أي هم صم عن الحق لا يقبلونه وإذا لم يقبلوا فكأنهم لم يسمعوا {بُكْم} أى خرس عن الحق لا يقولونه أو أنهم لما أبطنوا خلاف ما أظهروا فكأنهم لم ينطقوا بالحق {عُمْيٌ} أي لا بصائر لهم ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} عن الضلالة إلى الحق) [1] ا. ه.
يقول العلامة الشنقيطي في أضواء البيان: ظاهر هذه الآية أن المنافقين متصفون بالصمم، والبكم، والعمى. ولكنه تعالى بيّن في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم وذلك في قوله جلّ وعلا: [وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ الله وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ] {الأحقاف:26} .ا. ه.
إنهم لم يعرضوا عن الهدى ابتداءًا , ولم يصموا آذانهم عن السماع , وعيونهم عن الرؤية، وقلوبهم عن الإدراك , كما صنع الذين كفروا. ولكنهم استحبوا العمى على الهدى بعد ما استوضحوا الأمر وتبينوه ..
يقول د/الخطيب [2] : (أكثر المفسرين على أن الكاف في «كمثلهم» زائدة، باعتبار أن كلمة «مثل» أداة للتشبيه، والكاف أداة للتشبيه، ولا تجتمع الأداتان على مشبّه به واحد، وعلى هذا تكون الصورة هكذا: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا» أو «مثلهم كالذي استوقد نارا» .
وبلاغة القرآن أعظم وأسمى من أن تخضع لمقاييس النحو وتخريج النحاة! فليس في كلمات اللّه ما يحتاج إلى علل النحاة، و مماحكاتهم، ليستقيم على علمهم، ولينضبط مع قواعدهم ـ وحسب القرآن أن يقول قولًا، أو ينهج أسلوبا، فيكون قوله الحق، وأسلوبه الفصل، ولا عليه أن تضطرب قواعد النحو، وتتبلبل عقول النحاة!
والأمر هنا ـ فيما يتعلق بالكاف في «كمثل» ـ يجرى على أسلوب القرآن كله، في إعجازه، واستيلائه على أعنّة البلاغة وأزمّتها .. فقوله تعالى: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا» هو تشبيه حال بحال، وشأن بشأن .. بمعنى أن شأن هؤلاء المنافقين وحالهم، كشأن أو حال من استوقد نارًا ...
(1) تفسير البغوي 1/ 69.
(2) في التفسير القرءانى للقرآن 1\ 39.