وفي الآية الأولى {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} (البقرة: 48) . ثم إن الآية هنا {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} (البقرة: 123) ، وقد تكلم علماء المتشابهات في القيمة الدلالية لهذا التشابه الظاهري بين الآيتين، ثم تبينت لي لطيفةٌ قرآنية بديعة.
ففي الآية (123) {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ} والحديث فيها عن النفس المشفوع لها، وقد ذكرت الآية أنها لا تُقبل منها فدية ولا تنفعها شفاعة الشافعين، والخطاب هنا متسق تماما مع التخبط الذي يمر به الدهماء من اليهود والنصارى الذين يقولون لبعضهم أنهم ليسوا على شيء؛ بل ادعوا لله الولد - سبحانه-فأولئك المغرورون الذين ادعوا أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، لن تنفعهم شفاعة الذين أضلوهم وحرفوا كتابهم من أحبارهم. فالخطاب هنا لعوام أهل الكتاب، يخوفهم ذلك اليوم الذي لا تقبل فيه الفدية، ولا تنفعهم الشفاعة.
وفي آية (48) {وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} كان الحديث عن الأحبار والعلماء من بني إسرائيل الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، فجاء الخطاب متسقا بأن أولئك الكاذبين لا تُقبل شفاعتهم في أحدٍ حيث لم ينفعهم علمهم في الدنيا، ولا يبقى لهم جاهٌ في الآخرة يوم ينكشف زيفهم أمام من أضلوه من عوامهم؛ بل لا يؤخذ منهم فديةٌ تقيهم حر العذاب الأليم.
فتأمل كيف اتسق الخطاب وترتيب الكلام ونظمه مع السياق الخطابي والخط الدلالي في الآيات بحيث يرى الرائي الأمر تكرارا؛ ويراه المتأمل البصير دقةً وحكمةً بالغةً في وضع كل كلمةٍ في موضعها اللائق بها تماما. والله أعلم.
قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ