فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 604

قال الله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) }

جاء في تفسير المنار: الْكَلَامُ مُتَّصِلٌ بِمَا قَبْلَهُ وَمُرْتَبِطٌ بِهِ ارْتِبَاطًا مُحْكَمًا، و َالْخِطَابُ لِلْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَضِلُّونَ بِذلك الْمَثَلِ المضروب من قبل (مثل البعوضة) ؛فَإِنَّهُ وَصَفَهُمْ أَوَّلًا بِنَقْضِ الْعَهْدِ الْإِلَهِيِّ الْمُوَثَّقِ، و َقَطْعِ ما أمر بِهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يُوصَلَ، ثُمَّ بَعْدِ هَذَا الْبَيَانِ جَاءَ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ التَّعَجُّبِيِّ عَنْ صِفَةِ كُفْرِهِمْ مُقْتَرِنًا بِالْبُرْهَانِ النَّاصِعِ عَلَى أَنَّهُ لا وجه لَهُ وَلَا شُبْهَةَ تُسَوِّغُ الْإِقَامَةَ عَلَيْهِ .. ا. ه. [1]

إن الكفر بالله في مواجهة هذه الأدلة الدامغة والنعم التي لا تحصى لأمر يدعو إلى العجب والدهشة، إن القرآن يواجه البشر بما لا محيص لهم من الاعتراف به، لقد كانوا أمواتا فأحياهم، فمن الذي أنشأ لهم هذه الحياة؟! من أين جاءت هذه الحياة التي تموج بها الأرض والتي تتميز بها عما عداها من الموات؟ لقد جاءت من عند الله، هذا هي الإجابة التي يرتضيها العقل، وتتماشى معها الفطرة السليمة، وإلا فنقول لمن يأبى التسليم بهذه الحقيقة: أين الجواب؟ إن القرآن الكريم في هذه الكلمات الموجزات يفتح سجل الحياة كله ويطويه: من همود الموت أول مرة، إلى الحياة في الأرض ثم الموت مرة أخرى، ثم الحياة كرة أخرى للحساب والجزاء. ثم يمضي بنا السياق القرآني متحدثا عن غاية الوجود الإنساني وعن دوره العظيم في الأرض: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} .. إن كلمة {لكم} ذات دلالةٍ عميقةٍ على أن الإنسان خلق لأمر عظيم، خلق ليكون مستخلفا في الأرض، ليكون المالك والسيد لهذا الميراث الواسع، وكل قيمة من القيم المادية لا يجوز أن تطغى على قيمة الإنسان وتذله وتخضعه، فكرامة الإنسان أولا واستعلاء الإنسان أولا ثم تجيء القيم المادية تابعة مُسَخَّرَة.

{كيف تكفرون بالله} : الاستفهام هنا للتعجب مع التقريع والتوبيخ. لعدم وجود مقتض للكفر.

{وكنتم أمواتًا فأحياكم} : هذا برهان على بطلان كفرهم, إذ كيف يكفر العبد ربه وهو الذى خلقه بعد أن لم يكن شيئا .. قال ابن كثير: أي: قد كنتم عدما فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون، أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون} (الطور: 35، 36) ، والآيات في هذا كثيرة .. عن ابن عباس: (كنتم أمواتا فأحياكم) أمواتا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئا حتى خلقكم، {ثم يميتكم} موتة الحق، {ثم يحييكم} حين يبعثكم .. إن إماتة الحى واحياء الميت كلاهما دالٌ على وجود الرب تعالى وقدرته.

(1) تفسير المنار (1/ 205 - 209) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت