فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 604

" (فصلت 17) وكذا وافقه الطبري، فراجعهما مشكورا) وحاصل قول المفسرين فيما تقدم: أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو المعنى: أى بذلوا الهدى ثمنا للضلالة، وسواء منهم من حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، كما قال تعالى"ذلك بأنهم امنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم" (المنافقون 3) ، أو أنهم استحبوا الكفر على الهدى كما هو حال فريق منهم فإنهم جميعا خاسرون ... وقوله تعالى"فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ"أى ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة وما كانوا راشدين في صنيعهم. قال قتادة: قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف ومن السنة إلى البدعة) ا. ه."

قال الصاوي [1] :"اشتروا الضلالة بالهدى"أى استبدلوها به وقد أشار الجلال السيوطي رحمه الله أن المراد بالشراء مطلق الاستبدال والباء داخلة في الثمن .. وكلامه يقتضى أن الهدى كان موجودا عندهم ثم دفعوه وأخذوا الضلالة وهو كذلك لقوله (ص) "كل مولود يولد على الفطرة .. الحديث". ولأنهم في العهد يوم قال ربنا:"ألست بربكم"أجابوا جميعا بالإيمان) ا. ه.

يقول سيد قطب:

لقد كانت هذه صورة واقعة في المدينة ولكننا حين نتجاوز نطاق الزمان والمكان نجدها نموذجًا مكرورًا في أجيال البشرية جميعًا. نجد هذا النوع من المنافقين من علية الناس الذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح، أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح. وهم في الوقت ذاته يتخذون لأنفسهم مكان المترفع على جماهير الناس، وعلى تصورهم للأمور! ومن ثم نميل إلى مواجهة هذه النصوص كما لو كانت مطلقة من مناسبتها التاريخية، موجهة إلى هذا الفريق من المنافقين في كل جيل. وإلى صميم النفس الإنسانية الثابت في كل جيل. [2]

{يُخَادِعُونَ} الخِداع: المكر والاحتيال وإِظهار خلاف الباطن، وأصله الإِخفاء ومنه سُمي الدهرُ خادعًا لما يخفي من غوائله، وسُمي المِخْدع مِخْدعًا لتستر أصحاب المنزل فيه {مَّرَضٌ} المرض: السُّقْم وهو ضد الصحة وقد يكون حسيًا كمرض الجسم، أو معنويًا كمرض النفاق ومرض الحسد والرياء، قال ابن فارس: المرضُ كلُّ ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علةٍ، أو نفاق: أو تقصير في أمر {تُفْسِدُوا} الفساد: العدول عن الاستقامة وهو ضد الصلاح {السفهآء} جمع سفيه وهو الجاهل، الضعيف الرأي، القليل المعرفة، بمواضع المنافع والمضار، وأصل السَّفه، الخِفَّة، والسفيه: الخيف العقل قال علماء اللغة: السَّفه خفةٌ وسخافة رأى يقتضيان نقصان العقل، والحِلْمُ يقابله {طُغْيَانِهِمْ}

(1) (في حاشيته على الجلالين ج 1 ص 38 دار الحديث مصر)

(2) في ظلال القرآن (1/ 42)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت