وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (16) »
هذه حال المنافقين دائما .. يلقون الناس بوجهين: وجه يظهر الحب والمودة، ووجه يضمر السوء والشر .. إنهم مع أهوائهم الضالة، ونفوسهم المريضة، فحيث كان لهذه الأهواء مُنتجع، وكان لتلك النفوس مُستراح ـ فهم هناك .. يتقلبون مع كل ريح، ويطعمون من كل مائدة! و «شياطينهم» هم رءوس النفاق فيهم، وأصحاب الأمر والتدبير عندهم. ( {قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي قالوا لهم نحن على دينكم وعلى مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد، وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان، قال تعالى ردًا عليهم {الله يَسْتَهْزِاءُ بِهِمْ} أي الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال قال ابن عباس: يسخر بهم للنقمة منهم ويُملي لهم كقوله {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183] قال ابن كثير: هذا إِخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق والمعنى مختلف، وهذا عند علماء البلاغة يسمى"المشاكلة"؛ وإِليه وجهوا كل ما في القرآن من نظائر مثل {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] ومثل {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] فالأول ظلم والثاني عدل {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي ويزيدهم - بطريق الإِمهال والترك - في ضلالهم وكفرهم يتخبطون ويتردّدون ويتحيرون) .
وفى قوله تعالى: «وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ» بعد قوله سبحانه «فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ» توكيد لخسرانهم وضلالهم، إذ قد لا يربح التاجر في تجارته، ولكن ذلك لا ينقص من ميزانه الخلقي مثقال ذرة، إذ قد يكون عدم ربحه، أو خسارته، لأسباب لا يد له فيها. ولكن هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى إنما هم مغبونون في تلك الصفقة التي عقدوها، ولو جرّت عليهم كثيرا من حطام الدنيا، لأنهم خسروا أنفسهم، وذلك هو الخسران المبين، فهو خسران محقق، وغبن فاحش، يملأ النفس حسرة وندما. عند من وعى وعقل!) [1] ا. ه.
يقول ابن كثير في تفسيره: (قوله: {أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى} أى الكفر بالإيمان. وقال مجاهد: آمنوا ثم كفروا. وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى (قلتُ - أى جامعه: وقد رجحه القرطبي، وقال: فليست الباء للمعاوضة أبدًا، فهم لم يكن عندهم إيمان أصلا، وإنما هى لمعنى الاستبدال والاستحباب للضلال على الهدى، واستدل بقوله تعالى"فاستحبوا العمى على الهدى"
(1) من التفسير القرآني للقرآن، د/ عبد الكريم الخطيب، ط دار دمشق، ج 1، ص: 32. بتصرف يسير مع زيادات ما بين القوسين الدائريين من تفاسير أخرى.