والإمامة الممنوعة على الظالمين تشمل كل معاني الإمامة: إمامة الرسالة، وإمامة الخلافة، وإمامة الصلاة. وكل معنى من معاني الإمامة والقيادة.
فالعدل بكل معانيه هو أساس استحقاق هذه الإمامة في أية صورة من صورها. ومن ظلم-أي لون من الظلم-فقد جرد نفسه من حق الإمامة وأسقط حقه فيها بكل معنى من معانيها. [1]
في قوله تعالى {فأتمهن} أى عمل بهن واحدةً تلو أخرى على التمام، ففي التمام معنى أن الجزء مع الجزء يتمم بعضه بعضا حتى يكتمل. أما معنى الكمال فهو غاية الاكتمال للكل باجتماع أجزائه، فالتمام يقصد أكثره إلى التجزؤ والتطور شيئا بعد شيءٍ فيما يجتمع فيكمل، والكمال فبالنظر إلى تصور الشئ مجموعا واحدا بالإجمال بعد تمامه.
ولعل هذا هو سر التعبير في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] فحين ذكر الدين بصورته العامة النهائية ناسب ذلك"الكمال"في {أكملت لكم دينكم} ، وحين ذكر نعمه المتواصلة في آحاد شرائعه ومفردات إنعامه ناسب ذلك ذكر"التمام"في {وأتممت عليكم نعمتي} .
ولذلك يُقال: بدر التمام، لأنه كان طورا بعد طور حتى تم. ويُقال: تمام البيت وتتمته أي شطره أو قافيته التي بها يتم إذا انضمت إليه. فلذلك يقال: تم الشئ إذا اجتمعت أجزاؤه واحدةً تلو أخرى حتى آخرها، ويُقال: كمُل بالنظر إلى تصوره النهائي في اجتماع أوصافه.
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا}
قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) } .
قَالَ أهل المعاني: المثابة-في كلاب الْعَرَبِ-: الْمَوْضِعُ: يَثُوبُ النَّاس إِلَيْهِ، ويَعُودُونَ إلَيْهِ بَعْدَ الذَّهَابِ عَنْهُ. قَالَه الْحَسَنُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يَتَمَنَّى الْعَوْدَ إِلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} [إِبْرَاهِيمَ: 37] ، وقيل: ثوابا للناس يثيبهم الله تعالى إذا جاءوه وأدوا حقه.
(1) في ظلال القرآن (1/ 112)