فهرس الكتاب

الصفحة 589 من 604

والبيت: اللام فيه للعهد أي البيت الحرام أو الحرم الشريف الذي صار علما يعرفه كل أحدٌ كما لو جاءت"الدين"في القرآن فالعهد فيها لدين الإسلام؛ دين الحق ...

جعل الله تعالى البيت مرجعًا يرجع الناس إليه بكلياتهم. كلما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه؛ آيةً ونعمةً من الله يذَكِّر بها المشركين ممن عاندوا محمدا عليه الصلاة والسلام-ويعرِّض بهم كما عرَّض ببني إسرائيل في الآيات قبل ذلك؛ إذ كان إبراهيم عليه السلام مما اتفق عليه الجميع، وفيه بدأ التمهيد لمسألة نقل القبلة إلى البيت العتيق.

واستدل بعضهم بالآية في وجوب العمرة، فقال: لا يكون مثابة لآحاد قصاده يعودون إليه مرةً بعد مرةٍ إلا على هذا الوجه، وفي هذا الاستدلال تعسفٌ ظاهر يأباه وجه الكلام، فالكلام على معنى الخبر وذكر المنة لا التشريع. فقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَمْنًا} أَيْ مَوْضِعَ أَمْنٍ يؤيد ما ننحوه من أن ذلك تعريض بالمشركين من العرب. كما قال تعالى {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش: 3، 4) ، وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا: وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (العنكبوت 67) .

ومعناه أن الناس يغيرون ويقتتلون حول مكة وهي آمنة من ذلك، يلقى الرجل بها قاتل أبيه فلا يقتص منه، لأن الله تعالى جعل لها في النفوس حرمةً وجعلها أمنا للناس والطير والوحوش، وخصص الشرع من ذلك الخمس الفواسق، على لسان النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من باب إظهار المنة والفضل مِن الله على العرب. وقد اتجه بعض أهل المعاني أنه من الخبر الذي قصده الإنشاء بمعنى أن الله أمر أن يحافظ الناس على الحرم آمنا، ولا شك أن هذا معنى صحيح، ولكنه مُضمَّن فيما اخترنا من الإخبار بالمنة.

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة:"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه"فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إلا الإذخر" (رواه البخاري ومسلم) . [1]

(1) وقال الإمام الجصاص ـ رحمه الله:

وَقَوْلُهُ: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مِنْهُ بِذَلِكَ لَا خَبَرٌ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} كُلُّ هَذَا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، لَا عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ بِأَنَّ مَنْ دَخَلَهُ لَمْ يَلْحَقْهُ سُوءٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَبَرًا لَوَجَدَ مُخْبِرُهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَ اللَّهِ تَعَالَى لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهَا عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} فَأَخْبَرَ بِوُقُوعِ الْقَتْلِ فِيهِ؛ فَدَلَّ أَنَّ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قَبْلِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَمْنِ فِيهِ وَأَنْ لَا يُقْتَلَ الْعَائِذُ بِهِ وَاللَّاجِئُ إلَيْهِ.

وَكَذَلِكَ كَانَ حُكْمُ الْحَرَمِ مُنْذُ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ لِلْحَرَمِ وَتَسْتَعْظِمُ الْقَتْلَ فِيهِ عَلَى مَا كَانَ بَقِيَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. انتهى. (أحكام القرآن للجصاص حـ 1 صـ 90)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت