نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) (التوبة: 29 - 33) . فهذا القرآن صريحٌ لا مواربة فيه ولا تحيّل، وما بحثنا ذلك إلا ردًا على الذين ميَّعوا الأمور حين أرادوا مداراة القوم. وعلى بعض الذين شنَّعوا على قول بعض فقهاء الإسلام واتخذوها جريمةً ان قالوا أن كتاب اليهود والنصارى ليس بشئ وبالغوا أنه يصلح للاستنجاء به، وقولهم لا يخلو من صحةٍ في أنه ليس بشئ دون مبالغةٍ أو اعتداء. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
قال تعالى: {وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (77) } .
الحديث هنا متصلٌ بما قبله، فأولئك اليهود من العسير إيمانهم وأسلافهم هم الذين رأوا تنزل التوراة بينهم مع البيّنات الباهرات ثم أخذوا في تحريفها وتبديلها وكتابة ما ينسبونه إلى الله تعالى زورا وكفرًا، والقوم على دين سلفهم وديدنهم- كما حققناه آنفا - وحتى الذين آمنوا بلسانهم نفاقًا منهم في عهد قوة الإسلام في المدينة المنورة هم مخادعون {وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا} .
والمعنى: وهم أيضا إذا لقوا المؤمنين يفعلون كذا وكذا، فكيف يُرجَى إيمانهم؟ ويحتمل أن يكون هذا الكلام مستأنفا، فيه كشف سرائرهم وفضحهم.
وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم قالوا لأهل المدينة حين شاوروهم في اتباع محمد: آمنوا به فإنه حق. ثم قال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليكون لهم الحجة عليكم عند ربكم.