فالوجب عليه; التسليم; واتهام عقله; والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة; وإحسانه بهم; بتعليمهم ما جهلوا; وتنبيههم على ما لم يعلموه.
وفيه فضيلة العلم من وجوه:
منها: أن الله تعرف لملائكته; بعلمه وحكمته، ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم; وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم; إكراما له; لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير; إذا عجزوا عما امتحنوا به; ثم عرفه صاحب الفضيلة; فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن; وبيان فضل آدم; وأفضال الله عليه; وعداوة إبليس له; إلى غير ذلك من العبر. [1]
هذا ابتداء إظهار سرّه في آدم وذريته. أمر سبحانه حتى سُلّ من كل بقعة طينة ثم أمر بأن يخمر طينه، وكل واحد من الملائكة يفضى العجب: ما حكم هذه الطينة؟ فلمّا ركب صورته لم يكونوا رأوا مثلها في بديع الصنعة وعجيب الحكمة، فحين قال «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ ... » ترجّمت الظنون، وتقسّمت القلوب، وتجنّت الأقاويل، وكان كما قيل:
وكم أبصرت من حسن ولكن ... عليك من الورى وقع اختياري
ويقال إن الله سبحانه وتعالى خلق ما خلق من الأشياء ولم يقل في شأن شاء منه ما قال في حديث آدم حيث قال: «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» ، فظاهر هذا الخطاب يشبه المشاورة لو كان الأمر من المخلوقين. والحق سبحانه وتعالى خلق الجنان بما فيها، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة، ولم يقل إنى خالق عرشا أو جنة أو ملكا، وإنما قال ذلك تشريفا وتخصيصا لآدم إني جاعل في الأرض خليفة.
[فصل] ولم يكن قول الملائكة: «أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها» على وجه الاعتراض على التقدير ولكن على جهة الاستفهام، فإن حمل الخطاب على ما يوجب تنزيه الملائكة أولى لأنهم معصومون ... قال تعالى «لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ» .
ويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكنّ في قلوبهم من استعظام طاعاتهم والملاحظة إلى أفعالهم بهذا الخطاب فأفصحوا عن خفايا أسرارهم بقولهم: «وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ» . ثم إن الحق سبحانه عرّفهم أن الفضيلة بالعلم أتمّ من الفضيلة بالفعل، فهم كانوا أكثر فعلا وأقدمه، وآدم كان أكثر علما وأوفره، فظهرت فضيلته ومرتبته.
(1) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 49)