فهرس الكتاب

الصفحة 593 من 604

{والرُكَّع} جمع راكع {السجود} جمع ساجد، وهم المصلون؛ كما يُقال: قعود جمع قاعد. وقال أهل المعاني: خص السجود بعد الركوع لتحمل السجود معنى الركوع زيادة على دلالته على الصلاة، ولأن صلاة أهل الكتاب ليس فيها سجود، فوبخهم بطريقٍ خفي أن ذلك من سنة أبيهم إبراهيم وقد حرفوا الدين وتركوه.

وقيل: الطائفين هم الغرباء والعاكفين أهل مكة، قال عطاء ومجاهد وعكرمة: الطواف للغرباء أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل (وذكر مثله الجصاص في أحكامه وفيه نظر من حيث الاستدلال، وتفصيله في كتب الأحكام) .

{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ}

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) }

لما جاء الأمر للخليل ببناء البيت في قفرٍ من البلاد لا زرع ولا نهر ولا صيد ولا سبيل تجارةٍ، وهو الذي كانوا يتحرون في بناء المدن، وعُلم أن لا قوام لهم إلا بأن تُجنى إليهم الثمرات، ولا يمكن جني الثمرات إليهم إلا بأمن هذا البلد، سأل الله عز وجل -أن يجعله بلدًا أمنًا بسياسة ربانيةٍ وأن يَرزق أهله بتسخير الناس لجبي الثمرات إليه.

ولما سأله لهم الرزق، وكان قد سمع في جواب سؤاله الإمامة لذريته ما سمع؛ تدارك سؤاله فقيده وقال: {مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، فقال تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا} تنبيهًا أن رحمته في الدنيا وسعت كل شيء، وأن نعمه فيها متاحة للكل ليجعلوها ذريعة إلى إدراك ثوابه، ثم من كفر وضيَّع النعم فمَسوقٌ إلى عذابه. أفاده الراغب. [1]

كأنه قيل: ما سألته من إكرام البيت برزق المؤمنين من أهل هذا البلد استجبتُه وزيادة، ولا يغتر الكافر بذلك أن له كرامة على الله، فسوف يُضطر إلى عذاب النار وبئس المصير.

إذن فالأمن المذكور في هذه الآية هو (الأمن السياسي) الذي يضع لمكة المكرمة مكانها بين البلاد، وبرغم من كونها تقع بين الجبال في قفرٍ من الصحراء إلا أن عظمة الخالق جعلتها أغنى البلاد وأكثرها زيارةً وعمارةً

(1) تفسير الراغب الأصفهاني (1/ 313)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت