فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 604

تمسُّكٌ بدليلٍ ولا تشبثٌ بأمارة ولا إقناع يعول على المكابرة والمغالطة؛ إذا لم يجد سواها نصير كذبٍ وضلال.] انتهى من الكشاف بتصرفٍ وصياغة.

{لا يستحيي} أي لا يمتنع من ضرب المثل وبيان الحق بذكر البعوضة وبما فوقها.

ويقال: لا يمنعه الحياء أن يضرب المثل [1] . قال المفسرون: والحياء: تَغَيَّرَ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعَابُ بِهِ ويُذَم، واستعماله هُنَا في حَقِّ الله - تعالى- مَجَازٌ عن التَّرْكِ والامتناع؛ لأن من يستحيي من شيءٍ يترك فعله فكان التعبير والتأويل - في هذا الموضع وأمثاله - بلازم الحياء وثمرته وهو الامتناع، (قال القاضي البيضاوي: وإنما عدل به عن الترك، لما فيه من التمثيل والمبالغة. ا. ه.) ، وفي «صحيح مسلم» عن أم سلمة قالت: «جاءت أم سليم إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي من الحَقِّ» المعنى لا يأمر بالحَيَاء فيه، ولا يمتنع من ذكره [2] .

وجعل الزمخشريُّ (الاستحياء) هنا من باب المُقَابلةِ، يعني كأنَّ الكُفَّارَ لَمَّا قالوا: أَمَا يَسْتَحي رَبُّ محمد أن يضرب المثَلَ بالمُحْقّرَات، «قُوبِلَ» قولهم ذلك بقوله تعالى: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا} .. ؛ كما قال تعالى: {ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} فكان المكر من الله مجازا لا حقيقةً في مقابل مكرهم من باب المشاكلة والمشابهة اللفظية مع الاختلاف في المعنى المراد؛ فهم يمكرون؛ والله تعالى يرد مكرهم عليهم إلى نحورهم؛ سمى كلاهما مكرًا من باب [المشاكلة] عند

(1) تفسير السمرقندي = بحر العلوم (1/ 36 - 38) .

(2) قال فخر الدين الرازي جريا على مذهب الأشاعرة: [وَهُوَ الْقَانُونُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ ثَبَتَتْ لِلْعَبْدِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْأَجْسَامِ فَإِذَا وُصِفَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى نِهَايَاتِ الْأَعْرَاضِ لَا عَلَى بِدَايَاتِ الْأَعْرَاضِ مِثَالُهُ أَنَّ الْحَيَاءَ حَالَةٌ تَحْصُلُ لِلْإِنْسَانِ لَكِنَّ لَهَا مَبْدَأً وَمُنْتَهًى، أَمَّا الْمَبْدَأُ فَهُوَ التَّغَيُّرُ الْجُسْمَانِيُّ الَّذِي يَلْحَقُ الْإِنْسَانَ مِنْ خَوْفِ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْقَبِيحِ، وَأَمَّا النِّهَايَةُ فَهُوَ أَنْ يَتْرُكَ الْإِنْسَانُ ذَلِكَ الْفِعْلَ، فَإِذَا وَرَدَ الْحَيَاءُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ ذَلِكَ الْخَوْفُ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ الْحَيَاءِ وَمُقَدَّمَتُهُ، بَلْ تَرْكُ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهَاهُ وَغَايَتُهُ، وَكَذَلِكَ الْغَضَبُ لَهُ، عَلَامَةٌ وَمُقَدَّمَةٌ وَهِيَ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ، وَشَهْوَةُ الِانْتِقَامِ وَلَهُ غَايَةٌ وَهُوَ إِنْزَالُ الْعِقَابِ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَصَفْنَا اللَّهَ تَعَالَى/ بِالْغَضَبِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ الْمَبْدَأَ أَعْنِي شَهْوَةَ الِانْتِقَامِ وَغَلَيَانَ دَمِ الْقَلْبِ، بَلِ الْمُرَادُ تِلْكَ النِّهَايَةُ وَهُوَ إِنْزَالُ الْعِقَابِ، فَهَذَا هُوَ الْقَانُونُ الْكُلِّيُّ فِي هَذَا الْبَابِ.».ا. ه. من تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (2/ 361) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت