{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (سورة الأنعام: 44) .. وعنه قال: مثل الْبَعُوضَة مثل صَاحب الدُّنْيَا؛ لِأَن دأب الْبَعُوضَة أَنَّهَا إِذا شبعت هَلَكت، وَإِذا جاعت عاشت؛ كَذَلِك صَاحب الدُّنْيَا إِذا استكثر من الدُّنْيَا هلك، وَإِذا تَقلل مِنْهَا فَازَ وَنَجَا .. انتهى.
يقول الرائع الزمخشري في الكشاف ما ملخصه [1] :
[سيقت هذه الآية لبيان أنَّ ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار واستغربوه؛ من أن تكون المحقّرات من الأشياء مضروبًا بها المثل، وليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من حيث أنّ التمثيل إنما يُصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء ما في الوهم من المشاهدة. فإن كان المُتمثَّل له عظيمًا كان المُتمثَّل به مثله في العظمة، وإن كان حقيرًا كان المتمثل به كذلك حقيرًا.
فليس العِظَم والحقارة في المضروب به المثل إذًا؛ إلاَّ أمرًا تستدعيه حال ما ضرب له المثل، ألا ترى إلى الحق لما كان واضحًا جليًا أبلج، كيف جاء التمثيل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟ كما في قوله تعالى {مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا .. الآيات} .. ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أندادًا لله تعالى ولا حال أحقر منها وأقلّ، جعل الله تعالى بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن في قوله تعالى {كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا ... } ، وجُعِلَت أقلّ من الذباب وأخس قدرًا، وضُرِبَ لها - مثلًا - البعوضة فالذي دونها مثلًا؛ فليس هناك إذن إلا مثل الحق الذي يؤمن به ذووا القلوب والألباب ويكفر به ذووا الكفر والجهل والهلاك، وأن ذلك سبب زيادة هدى المؤمنين، وانهماك الفاسقين في غيّهم وضلالهم.
والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم تسير في حواضرهم وبواديهم قد تمثّلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: أجمع من ذرّة، وأجرأ من الذباب، وأسمع من قراد. وأصرد من جرادة، وأضعف من فراشة. وآكل من السوس. وقالوا في البعوضة: أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوض.
ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة، كالنخالة وحبة الخردل، والحصاة، والأرضة، والدود، والزنابير. والتمثيل بهذه الأشياء وبأحقر منها مما تغني - عند مَن عنده قليل عقل - استقامته وصحته ووقوعه على مقامه بكل حكمة وبلاغة، ولكنه طبع المعاند الجاهل المبهوت الذي لا يبقى له
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 111)