فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 604

فللّه ـ سبحانه ـ أن يضرب المثل بأيٍّ من مخلوقاته، وأن يقيم منه شاهدا لما يريد .. فأما الذين آمنوا، فيجدون في هذا المثل هدىً إلى هدىً، ونورًا إلى نورٍ، وأما الذين كفروا فلا تزيدهم الأمثال الكاشفة إلا ضلالًا إلى ضلالٍ، وإلا عمىً إلى عمى.

يقول تعالى في هؤلاء الفاسقين: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (27) }

جاء في بحر العلوم: وصف الله تعالى الفاسقين الذين يشككون في حكمة آيات الله بسبب عماهم؛ فقال تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ} ، أي يتركون أمر الله ووصيته من بعد ميثاقه، أي من بعد تغليظه وتأكيده، وذلك أن الله تعالى أمر موسى في التوراة بأن يأمر قومه ليقروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه إذا خرج. وكان موسى عليه السلام عاهدهم على ذلك، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كذَّبوه ولم يصدِّقوه ونقضوا العهد. ويقال: إنه أراد به العهد الذي أخذه من بني آدم من ظهورهم، حيث قال تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى} (الأعراف: 172) فنقضوا ذلك العهد والميثاق. ويقال: الميثاق الذي يعرف كل واحد ربه إذا تفكر في نفسه، فكان ذلك بمنزلة أخذ الميثاق عليه، وجميع ما في القرآن من ذكر الميثاق فهو على هذه الأوجه الثلاثة.

وقوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} ، عن ابن عباس قال: إنهم أمروا أن يؤمنوا بجميع الأنبياء فآمنوا ببعضهم ولم يؤمنوا ببعضهم، فهذا معنى قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} . ويقال: أمروا بصلة القرابات فقطعوا الأرحام فيما بينهم.

وقوله تعالى: {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} ، لأنهم يكفرون ويأمرون غيرهم بالكفر، فذلك فسادهم في الأرض {أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ} أي المغبونون في العقوبة، كما قال في آية أخرى {قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ} (الزمر: 15) . انتهى بتصرف يسير [1]

وجاء في تفسير الطبري [2] :

عن الرّبيع بن أنس، في قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها} . قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا، إن البعوضة تحيا ما جاعتْ، فإذا سمنت ماتتْ. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن: إذا امتلأوا من الدنيا رِيًّا أخذَهم الله عند ذلك. قال: ثم تلا

(1) تفسير السمرقندي = بحر العلوم (1/ 38)

(2) جامع البيان ت شاكر (1/ 399)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت