ويرد منه ما لا يرضي هواه، كان عابدا لهواه وليس عابدا لله تعالى. ولشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-رسالة ماتعة نافعة جدا سماها"العبودية"بسط فيها هذا المعنى فراجعه تجد خيرا.
ونستطرد أيضا بنكتةٍ بديعةٍ يذكرها صاحب المفردات في معنى"الضلال"يقول:
الضَّلَالُ: العدولُ عن الطّريق المستقيم، ويضادّه الهداية، قال تعالى: {فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها} (الإسراء/ 15) ، ويقال الضَّلَالُ لكلّ عدولٍ عن المنهج، عمدا كان أو سهوا، يسيرا كان أو كثيرا، فإنّ الطّريق المستقيم الذي هو المرتضى صعب جدا، قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «استقيموا ولن تُحْصُوا» . وقال بعض الحكماء: كوننا مصيبين من وجه وكوننا ضَالِّينَ من وجوه كثيرة، فإنّ الاستقامة والصّواب يجري مجرى الهدف من المرمى، وما عداه من الجوانب كلّها ضَلَالٌ. وإذا كان الضَّلَالُ تركَ الطّريق المستقيم عمدا كان أو سهوا، قليلا كان أو كثيرا، صحّ أن يستعمل لفظ الضَّلَالِ ممّن يكون منه خطأ ما، ولذلك نسب الضَّلَالُ إلى الأنبياء، وإلى الكفّار، وإن كان بين الضَّلَالَيْنِ بون بعيد، ألا ترى أنه قال في النّبي صلّى الله عليه وسلم: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى} (الضحى/ 7) ، أي: غير مهتد لما سيق إليك من النّبوّة. وقال في يعقوب: {إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} (يوسف/ 95) ، وقال أولاده: {إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (يوسف/ 8) ، إشارة إلى شغفه بيوسف وشوقه إليه، وكذلك: {قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (يوسف/ 30) ، وقال عن موسى عليه السلام: {فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} (الشعراء/ 20) ، تنبيه أنّ ذلك منه سهو، وقوله: {أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما} (البقرة/ 282) ، أي: تنسى، وذلك من النّسيان الموضوع عن الإنسان.
والضَّلَالُ من وجه آخر ضربان: ضَلَالٌ في العلوم النّظريّة، كالضَّلَالِ في معرفة الله ووحدانيّته، ومعرفة النّبوّة، ونحوهما المشار إليهما بقوله: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا} (النساء/ 136) ، والضَّلَالُ البعيدُ إشارةٌ إلى ما هو كفر، وكما في قوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا} (النساء/ 167) ، وكقوله: {فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ} (سبأ/ 8) ، أي: في عقوبة الضَّلَالِ البعيدِ، وعلى ذلك قوله: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ} (الملك/ 9) ، {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ} (المائدة/ 77) . وضرب هو ضَلَالٌ في العلوم العمليّة، كمعرفة الأحكام الشّرعيّة التي هي العبادات.