وكما كان التفسير بالمأثور يرد هذا المورد الممزوج بغير المأثور عند ابن عباس، كان يرد كذلك عند غيره من الصحابة المختصين بالتفسير ... ] انتهى ..
وبعد هذه المناقشة الرائعة والتحقيق الموفق يخلص الشوكاني لنتيجةٍ جيدة فيقول:
[وَالَّذِي أَرَاهُ لِنَفْسِي، وَلِكُلِّ مَنْ أَحَبَّ السَّلَامَةَ، وَاقْتَدَى بِسَلَفِ الْأُمَّةِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ..
مَعَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ فِي إِنْزَالِهَا حكمة لله عزّ وجلّ لا تَبْلُغُهَا عُقُولُنَا وَلَا تَهْتَدِي إِلَيْهَا أَفْهَامُنَا .. وَإِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى السَّلَامَةِ فِي مَدَاكَ فَلَا تُجَاوِزْهُ .. ].. انتهى .. [1]
ولقد آثرت ان استفيض في هذا المبحث لما في ذلك من فوائد منهجية هامة في التعامل مع كتاب الله ومحاولات التدبر والفهم لكلام الله تعالى .. وليتأمل القارئ مشكورا ما رميت إليه بقراءةٍ متأنيةٍ لهذا المبحث ...
{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } [البقرة: 2 - 5]
في قوله {الم} يقول العلامة ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور بيانًا لإِعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وهو قول جمع من المحققين، وقد قرره الزمخشري في تفسيره الكشاف ونصره أتم نصر، وإِليه ذهب الإِمام «ابن تيمية» ثم قال: ولهذا كلُّ سورة افتتحت بالحروف، فلا بدَّ أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيانُ إعجازه وعظمته مثل {الم ذَلِكَ الكتاب} {المص كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ} [الأعراف: 1 - 2] {الم تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم} [لقمان: 1 - 2] {حم والكتاب المبين} [الدخان: 1 - 3] وغير ذلك من الآيات الدالة على إعجاز القرآن. ا. ه.
(1) راجع فتح القدير للشوكاني (1/ 34 - 38) .