[وقد اتصل تفسير القرآن، عند ابن عباس، بعناصر زائدة على العنصرين اللذين قدمناهما في الحديث الماضي: وهما عنصر أسباب النزول، وعنصر مبهم القرآن.
فكان ابن عباس يضيف إليهما عنصرًا لغويًا: في فهم معنى المفرد، أو فهم سر التركيب، ويتخذ مادة لذلك من الشعر الجاهلي. فكان كثيرًا ما يقول عندما يُسأل عن معنى من تراكيب القرآن فيقرره: أما سمعتم الشاعر يقول كذا، وينشد البيت كما أثبت ذلك ابن سعد في"الطبقات"...
وعنصر آخر أضافه ابن عباس، على ما نُقل عنه في المصادر المعتمدة، إلى تفسير القرآن: هو عنصر الأخبار التي لم تجئ في حديث النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ــ مما يرجع إلى بيان مبهمات القرآن: وذلك ما كان يرجع فيه إلى مصادر المعرفة المتوفرة لديهم يومئذ من التاريخ العام وأخبار الأمم، لا سيما الأمتين الكتابيتين: اليهود، والنصارى.
ومن الظاهر أن هذين العنصرين، وإن وجدا في بعض كلام ابن عباس، لا يصح اعتبارهما من التفسير بالمأثور، لأن مرجعهما إلى الفهم وإلى المعرفة العامة مما يجوز أن يكون محل خلاف مقبول من طرف من يفهم فهمًا غير الفهم الذي ارتضاه ابن عباس، اعتمادًا على شاهد غير الذي اعتمد عليه، أو جنوحًا إلى تخريج للتركيب على غير ما خرجه عليه؛ أو يكون محل خلاف معتبر أيضًا من طرف من عنده معرفة أمر من التواريخ أو أخبار الكتب السماوية القديمة يختلف عما عند ابن عباس، ويمكن توسيع المفاد القرآني به على خلاف ما رأى ابن عباس في توسيع المفاد القرآني بما لديه من المعرفة، ومن هنالك بدأ التفسير بالمأثور، يختلف بلون آخر من التفسير: يقبل اختلاف الأفهام، واختلاف التقادير، واختلاف الاجتهاد في استنباط المعنى، تبعًا لاختلاف ما يرجع إليه الاستنباط: من فهم لغوي، أو معرفة تاريخية لم تؤثر في السنة النبوية.