وفي الآية من الأحكام اللطيفة والتوجيهات الربانية الدقيقة في بناء الأمة المؤمنة أمور: -
إن في الآية وضع لأسس التمايز بين أهل الباطل من أهل الكتاب وغيرهم، وأهل الحق من الأمة المحمدية، وذلك أن الإسلام ناسخ لما أتى قبله من الشرائع ومهيمن عليه، ودين الله تعالى فيه الغنى عن ترهاتٍ وضعها أولئك الأنجاس من محرفي كتب الله ورسالاته. ثم إن حضارة الإسلام أرقى وأكمل.
ولكننا قد ابتلينا باتباع الأمم من قبلنا لما تركنا كتاب الله وسنة نبينا وضاعت قدوة الرسول من قلوبنا وعقولنا واستبدلناها بكل غثٍ وخسيس من الخاسرين.
وقد نهينا أن نتبع اليهود والنصارى وأن نتميز بشخصيتنا الإسلامية العظيمة، ولكن قدر الله واقع. وهو ما يأتينا في الآية بعدُ في قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (البقرة: 109) . فتأمل كيف كان القرآن يلتحم بعضه ببعض كالكلمة الواحدة.
قال ابن كثير: نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقامهم وفعالهم، وروى أبو داود في سننه قوله عليه السلام: «من تشبه بقوم فهو منهم» ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها. [1]
وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم» . قيل: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمَن؟» . متفق عليه. وهذا من القدر الواقع في الجملة على بعض الأشخاص، وفيه نكتة التحذير من فعلهم، لما فيه من تقبيح اتباعهم، إذ
(1) تفسير ابن كثير ط العلمية (1/ 256) باختصار.