ويسهل عليهم سبل الشرور والموبقات، وهو ظلم إبطال العبادة من المساجد، والسعي في خراب المعابد، إذا وقع هذا الظلم كان الحاكم الظالم مخذولا في حكمه، والفاتح الظالم غير أمين في فتحه، وإذا أردت
تطبيق ذلك على من نسب إليهم هذا الظلم فانظر ماذا حل بالرومانيين، وماذا كانت عاقبة العرب المشركين، وبماذا انتهى عدوان الصليبيين، وكيف انقرض حزب القرامطة المجرمين، وأما عذاب الآخرة فالله أعلم به، ونحن بوعده ووعيده من المؤمنين. [1]
قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115]
هنا وبعد الانتقال من ذكر انحرافات أهل الكتاب وامانيهم الباطلة وتنابذهم بالكفر والعدوان انتقلت الآيات إلى هديةٍ من الله وجائزةٍ لهؤلاء الذين أسلموا وجههم لله تعالى على التصديق والطاعة والتزام شرع الله. تلك الهدية في التوسعة عليهم في دينهم الحق الذي ارتضى لهم. فمن علم الله تعالى بنا ورحمته خفَّف علينا ووسَّع، فجعل الأرض كلها لمحمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه مسجدا وطهورًا وخفف عليهم في أمر قبلتهم حال الضرورة. وهنا تأتي هذه الآية العظيمة جائزةً للمؤمنين.
قال القرطبي في أحكامه ما مختصره: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هذه الآية عَلَى أَقْوَالٍ:
القول الأول: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: نَزَلَتْ فِيمَنْ صَلَّى إِلَى غير القبلة في ليلةٍ مظلمةٍ (أو غيم) ، أخرجه التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَلَمْ نَدْرِ أَيْنَ الْقِبْلَةُ، فَصَلَّى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا عَلَى حِيَالِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ:"فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ، وَأَشْعَثُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو الرَّبِيعِ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. (وقد حسنه الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجة(1020)
قال الترمذي: وَقَدْ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا، قَالُوا: إِذَا صَلَّى فِي الْغَيْمِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ ثُمَّ اسْتَبَانَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ جَائِزَةٌ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
(1) تفسير المنار (1/ 357)