سورة البقرة أطول سور القرآن العظيم، وفيها أطول آياته (آية الدين) وهى وحدها تعتبر دستور الدولة الإسلامية الأسمى؛ ولذلك ورد في موطأ الإمام مالك أن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ظل ثماني سنوات يدارسها ويتعلم أحكامها .. وهذه السورة الكريمة تتعرض لمواضيع شتى، وتناقش تفاصيل بناء الدولة المؤمنة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتدعم أساساتها وأساسات كل دولة للإسلام إلى يوم القيامة بما يحتف بها من أعداء ومن منافسين دينيين وحضاريين ..
فقد جادلت السورة الكفار والمشركين وأهل الكتاب، ورسمت خطوطا واضحةً للطابور الخامس من المنافقين تبيِّن خطورتهم على دولة الإسلام .. ثم تناقش السورة طرفًا كبيرًا من أحكام العبادات وأحكام الأسرة المسلمة .. لتصير هذه السورة في النهاية مجموعة من وجباتٍ إيمانيةٍ دسمة في سبيل إنشاء الضمير الإيماني، والأسرة المؤمنة، والدستور الإيماني، والدولة المؤمنة ..
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ (سُورَةَ الْبَقَرَةِ) ، فَقَدْ وَرَدَ فِي «الصَّحِيحِ» أَنَّ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ كَفَتَاهُ» ، وَفِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: «لَمَّا نَزَلَتِ الْآيَاتُ مِنْ آخِرِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا قَرَأَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ» ، وسميت البقرة بسبب أظهر الحوادث التي ذكرتها، وأغربها، وهي بقرة بني إسرائيل التي لجوا في السؤال عنها، وما تدل على أخلاقهم من اللجاجة والجدل العقيم والسفاهة في الفكر والقول والعمل، وإرادة التلبيس في الأمر الواضح المبين، وردهم شرع الله وأمره بأسفه الحجج وأسخف السؤالات، وقد كانوا كلما زادت لجاجتهم زاد الأمر تعقيدا عليهم، وتلبيسا؛ حتى قام عليهم من الله تعالى الحجة والبرهان أنهم لا يستحقون التشريف برسالة هداية البشرية