فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 604

وللعلامة ابن القيم تأمل طريف في كتابه الماتع إغاثة اللهفان يقول فيه:

أن الله تعالى أخبر عن أهل السبت من اليهود بمسخهم قردة لما احتالوا على إباحة ما حرمه الله تعالى عليهم من الصيد بأن نصبوا الشباك يوم الجمعة، فلما وقع فيها الصيد أخذوه يوم الأحد. قال بعض الأئمة: ففي هذا زجر عظيم لمن يتعاطى الحيل على المناهى الشرعية ممن يتلبس بعلم الفقه وهو غير فقيه ..

إذ الفقيه من يخشى الله تعالى بحفظ حدوده وتعظيم حرماته والوقوف عندها، ليس المحتال على إباحة محارمه وإسقاط فرائضه.

ومعلوم أنهم لم يستحلوا ذلك تكذيبًا لموسى عليه السلام وكفرًا بالتوراة، وإنما هو استحلال تأويلٍ واحتيال، ظاهره ظاهر الاتقاء، وباطنه باطن الاعتداء، ولهذا - والله أعلم - مسخوا قردة، لأن صورة القرد فيها شبه من صورة الإنسان وفي بعض ما يذكر من أوصافه شبه منه، وهو مخالف له في الحد والحقيقة. فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله تعالى بحيث لم يتمسكوا إلا بما يشبه الدين في بعض ظاهره دون حقيقته، مسخهم الله تعالى قردة، يشبهونهم في بعض ظواهرهم دون الحقيقة جزاء وفاقًا. [1]

لمحة بلاغية في قوله تعالى{كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}.

الأمر هنا أمر تكوينٍ بمعنى {كن فيكون} ؛ وليس أمر تشريع، يطلب منهم فعله.

قال ابن الحاجب في مختصره الكَبِيرِ المسمى ب «منتهى السَّول والأمل في عِلمَي الأصول والجدل» : صيغةُ: افعل (الأمر) ، وما في معناها قد صَحَّ إِطلاقها بإزاء خمسةَ عَشَرَ محملًا.

(1) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 343)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت