فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 604

كانت المدلولات التعبيرية مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف تصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها، وتجاه الحقائق الكونية الأخرى .. ا. ه. بتصرف يسير.

في قوله تعالى {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) } [البقرة: 66] يتمحض غرض من أغراض القصص القرآني العظيم الذي يسير بالموعظة والتقويم لمنهاج المتقين المؤمنين في كل وقتٍ وحين.

لقد حق على (أصحاب السبت) جزاء النكول عن عهدهم مع الله، والنكوص عن مقام الإنسان ذي الإرادة. فانتكسوا بهذا إلى عالم الحيوان والبهيمة، الحيوان الذي لا إرادة له، والبهيمة التي لا ترتفع على دعوة البطون! انتكسوا بمجرد تخليهم عن الخصيصة الأولى التي تجعل من الإنسان إنسانًا. خصيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهد الله.

قال القفَّال رحمه الله: النكال هو العقوبة الغليظة الرادعة للناس عن الإقدام على مثل تلك المعصية، وأصله من المنع والحبس، ويقال للقيد النكل، وللجام الثقيل أيضا نكل لما فيهما من المنع والحبس، ونظيره قوله تعالى: {إن لدينا أنكالا وجحيما} (المزمل: 12) ، والمعنى هنا: أنا جعلنا ما جرى على هؤلاء القوم عقوبةً رادعةً لغيرهم أي لم نقصد بذلك ما يقصده الآدميون من التشفي لأن ذلك إنما يكون ممن تضره المعاصي وتنقص من مُلكه وتؤثر فيه، وأما نحن فإنما نعاقب لمصالح العباد فعقابنا زجرٌ وموعظة للمؤمن عن سبيل المجرمين، وللمجرم ببيان حال المجرمين وعقابهم.

قال الرازي: اليسير من الذم لا يوصف بأنه نكال حتى إذ عظم وكثر واشتهر، يوصف به وعلى هذا الوجه أوجب الله تعالى في السارق المصر القطع جزاءً ونكالا، وأراد به أن يفعل على وجه الإهانة والاستخفاف، فهو بمنزلة الخزي الذي لا يكاد يستعمل إلا في الذم العظيم. [1]

(1) تفسير الرازي = مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/ 542)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت