فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 604

1. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) }

في هذه الآيات تتبين لنا طريقة القرآن في إثباته أهم أسس العقيدة الحقة بطريقةٍ تتميز: بالسهولة والانسيابية في البرهان، والاستدلال الواضح البسيط الذي يفهمه العامي قبل العالم، ووضوح المقدمات ورسوخها ومن ثَم ترتّب النتائج عليها في يسرٍ وعمق يخترق الشعور والوجدان من أقرب طريقٍ .. بعكس الفلسفة والتعقيد والجدل المتضارب الذي تراه في علم الكلام ..

لقد كان هذا الاستدلال الجلى الرصين بوحدانيته تعالى في الربوبية (خلقا وحفظا ورزقا) على استحقاق الله وحده دون سواه لتوحيده بالعبادة وكل ما يتصل بها ويقترب من معناها .. استدل بنعمة الإيجاد (= الخلق والإبداع) ، وكذا استدل بنعمة الإعداد (تهيئة السماء والأرض بما يصلح للحياة) ، ونعمة الإمداد (رزق الخلائق وتربيتهم في خيره وآلائه) .. ثم بالفطرة التي تدرك وجود الخالق الرازق القيوم في قوله {وأنتم تعلمون} .. استدل بذلك كله على وجوب توحيده وحده سبحانه بالعبادة، وصرف الحب والخوف والرجاء والاستعانة والإنابة وكل عبادةٍ له وحده سبحانه .. [1]

(1) يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره: [وهذه الآية (الآيات 21،22 البقرة) دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده، فإنَّ من تأمل هذه الموجودات عَلِم قدرةَ خالقها وحكمته، وعلمه وإتقانه، وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان اللّه إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير فسماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، وبحارٌ ذات أمواج! ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟.

وحكى الرازي عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل له باختلاف اللغات، والأصوات، والنغمات. وعن أبي حنيفة أن (بعض الزنادقة) سألوه عن وجود الباري تعالى فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمرٍ قد أُخبرت عنه، ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها - وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل! فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟! فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.

وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع فقال: هذا ورق التوت طعمُه واحدٌ تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم (و الإبريسم هو الحرير.) وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعرًا وروثًا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد ..

وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: ههنا حصنٌ حصين أملس ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء وباطنه كالذهب والإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكلٍ حسن وصوت مليح؛ يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة .. وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:

تأملْ في نبات الأرض وانظر * إلى آثار ما صنع المليك

عيونٌ من لُجَيْن شاخصاتُ * بأحداق هي الذهب السبيك

على قضب الزبرجد شاهدات * بأنَّ اللّه ليس له شريك

وقال ابن المعتز:

فيا عجبا كيف يعصى (الإله) * أم كيف يجحده الجاحدُ

وفي كل شيء له آيةٌ * تدل على أنه واحدُ

وقال آخرون: من تأمّل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارات ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها، وانظَر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها، كما قال تعالى: {ومن الجبال جُدَدٌ بيضٌ وحمر مختلفٌ ألوانها وغرابيبُ سود} ، وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر للمنافع، وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء، استدل على وجود الصانع وقدرته العظيمة، وحكمته ورحمته بخلقه، ولطفه بهم وإحسانه إليهم، لا إله غيره ولا ربَّ سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًا.

روى الإمام أحمد في ذلك مثلًا عجيبا اوحى الله به إلى يحيي بن زكريا عليه السلام فقال يحيي:"إن اللّه أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن."

أولهن: أن تعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئًا فإن مَثَل ذلك كمثل رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بَوَرِق أو ذهب فجعل يعمل ويؤدي غلّته إلى غير سيده،، فأيكم يسرّه أن يكون عبده كذلك؟ وإن اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا .. ثم سرد باقي الحديث"رواه الإمام أحمد بسنده عن الحارث الأشعري، وهو حديث صحيح جليل رواه الترمذي في كتاب الأمثال عن البخاري وابن حبان والنسائي بعضه وابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وصححه الألباني في الصحيحة ..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت