فهرس الكتاب

الصفحة 321 من 604

{ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ... }

ثم بيَّن القرآن الكريم، بعد ذلك أن هذه المعجزات الباهرة التي تزلزل المشاعر، وتهز القلوب، وتبعث في النفوس الإيمان، لم تؤثر في قلوب بني إسرائيل الصلدة، فقال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ، وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) } (سورة البقرة)

قال القفَّال: يجوز أن يكون المخاطبون بقوله: {ثم قست قلوبكم} هم أهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، فأخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب، وهذا أولى لأن قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم} خطاب مشافهة، فحمله على الحاضرين أولى، ويحتمل أيضا أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصا، ويجوز أن يريد من قبلهم من سلفهم.

وجيء ب (ثم) التي هي للترتيب والتراخي. لاستبعاد استيلاء الغلظة والقسوة على قلوبهم بعد أن رأوا الكثير من المعجزات ..

وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} فيه زيادة تعجيب من إحاطة القساوة بقلوبهم، بعد توالى النعم، وتكاثر المعجزات. وقوله تعالى: {من بعد ذلك} يحتمل أن يكون المراد من بعد ما أظهره الله تعالى من إحياء ذلك القتيل، فعنده قال تعالى واصفا لهم: إنهم بعد ظهور مثل هذه الآية (في قصة البقرة وإحياء الله تعالى القتيل) قست قلوبهم. ويحتمل أن يكون ذلك إشارةً إلى جميع ما ذكر الله سبحانه من النعم العظيمة والآيات الباهرة التي أظهرها لبني إسرائيل عامة، فإن أولئك اليهود بعدُ ما تركوا العناد والاعتراض على موسى عليه السلام، وقد كان الأولى أن تلين قلوبهم بتلك المعجزات والآيات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت