فهرس الكتاب

الصفحة 371 من 604

صببنا عليها- ظالمين- سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل

فإنه لو يقل: (ظالمين) لكان للمعترض عليه أن يقول: إنما ضرب الخيل لبطئها. ومثاله ما قاله بعض الشعراء: فسَقَى ديارَك غيرَ مفسدِها ... صَوْبُ الرّبيعِ ودِيمة تهمى.

فقوله (غير مفسدها) فضلةٌ واردة لرفع الإيهام الحاصل ممن يدعو على الديار بكثرة المطر ليكون مفسدا لها، فانظر إلى موقع هذه اللفظة ما أرقه وما ذاك إلا من أجل ما اشتملت عليه من هذا الاحتراز الذى ذكرناه.

وهنا لبيان خصيصة من خصائص القرآن الجميلة وهى الإنصاف الرباني الذي يشي بعظمة وحكمة وعدل الله تعالى، هذا الاستثناء يمنع تعميم الأحكام الجائر الذي نجده بين البشر.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) } .

يعود الخطاب هنا لبني إسرائيل، وميثاق جديد قد أخذه الله عليهم ونقضوه، ليسجل القرآن عليهم ذلك مرةً أخرى، وليكون حجةً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم حين يشهدون على الأمم يوم القيامة بما جعل الله فيهم من هذا الكتاب العظيم؛ كما يأتي عقب هذا التسجيل الدقيق لكفران بني إسرائيل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ... } (البقرة: 143) . فالأمة المحمدية كتب الله عليها أن تعرف مكانها ووضعها اللائق بها بين الأمم كأمةٍ نزل فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت