كتاب الله يبين لها المزالق والمعطفات الخطيرة والسقطات التي وقعت فيها الأمم قبلها، ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية لهذه الأمة أمام الله تعالى ألا تتكرر أخطاء السابقين فيها. وهذا في الحقيقة هو أول وأغلى مقاصد القصص القرآني، فتأمل.
وأما قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم} فإنه خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، أو أنه خطاب مع أسلافهم، وتقديره وإذ أخذنا ميثاق آبائكم. أو أنه خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف. والأول أولى لتعلقه بتاريخ اليهود في المدينة المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يعضده السياق بعد. وتداخل الدلالة من وراء الخطاب لما قدمنا من أن اليهود أمة تاريخية تحيا على تاريخها. [1]
أما قوله تعالى: {لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ} فقد وجَّهه المفسرون فقال ابن عباس وقتادة: معناه لا يسفك بعضكم دم بَعضٍ بغَير حقٍّ. وإنما قال: {دِمَاءَكُمْ} لأن كل قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة، وأيضًا فإنّ الرجل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه؛ لأنه يُقاد ويُقتص، ففي النهي عن قتل نفسه على هذا الوجه نهي عن قتل غيره. [2]
وقيل فيها مجاز: أى لا تكونوا سببا في قتلكم، إن اعتديم بغير حقٍ على غيركم، فاعتدى عليكم فقتلكم، وإن خالفتم العهود فأُخرِجتم بفعلتكم مثل ذلك.
والأول عندي أولى يؤيده سياق الآيات ومسار نزولها الآتي بعد. كما أن فيه عند التامل معنى جميلًا يظهر للمتأمل لعلاقة الدين والنسب التي تجعل رحم النسب ورحم الدين بمثابة الجامعة كنفسٍ واحدةٍ، فقاتل مَن هو من رحمه ودينه يقتل نفسه عند التأمل.
[قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم? فقال: من قيس بن عاصم؛ رأيته يومًا قاعدًا بفناء داره محتبيًا بحمائل سيفه، يحدث قومه، إذ أتي برجل مكتوف وآخر مقتول، فقيل: هذا ابن أخيك قتل ابنك قال: فوالله ما حل حبوته، ولا قطع كلامه. فلما أتمه التفت إلى
(1) راجع مشكورا الملاحق.
(2) التفسير البسيط (3/ 115) .