وقال وليّ الله الدهلويّ في الفوز الكبير: من المواضع الصعبة في فن التفسير التي ساحتها واسعة جدّا، والاختلاف فيها كثير، معرفة الناسخ والمنسوخ، وأقوى الوجوه الصعبة اختلاف اصطلاح المتقدمين والمتأخرين، وما علم في هذا الباب، من استقراء كلام الصحابة والتابعين، أنهم كانوا يستعملون النسخ بإزاء المعنى اللغويّ الذي هو إزالة شيء بشيء، لا بإزاء مصطلح الأصوليين. فمعنى النسخ عندهم إزالة بعض الأوصاف من الآية بآية أخرى، إما بانتهاء مدة العمل، أو بصرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر، أو بيان كون قيد من القيود اتفاقيا، أو تخصيص عام، أو بيان الفارق بين المنصوص وما قيس عليه ظاهرا، أو إزالة عادة الجاهلية، أو الشريعة السابقة، فاتسع باب النسخ عندهم وكثر جولان العقل هنالك، واتسعت دائرة الاختلاف. ولهذا بلغ عدد الآيات المنسوخة خمسمائة.
وإن تأملت، متعمقا، فهي غير محصورة. والمنسوخ باصطلاح المتأخرين عدد قليل. لا سيما بحسب ما اخترناه من التوجيه. انتهى.
وقال الإمام الشاطبيّ في الموافقات: الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم، في الإطلاق، أعم منه في كلام الأصوليين. فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا، وعلى تخصيص العموم، بدليل متصل أو منفصل، نسخا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعيّ، بدليل شرعيّ متأخر، نسخا. لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد. وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به.). [1]
أن هذه الآية صريحة في بيان جواز وقوع النسخ في كتاب الله تعالى وشرعه، وأن إنكار هذا النسخ لا مسوِّغ له فالله تعالى أعلم بالمصلحة والخير، وأعلم بأوفق الأزمنة لنسخ شرع بشرعٍ، فليس فيه (بَداء) أى ابتداء علمٍ في حقه تعالى، وإنما المسألة مسألة توقيت لوقف العمل بشرع وبدء العمل بشرع جديد، وكل في علمه القديم سبحانه، وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية إنما نزلت ردا على اعتراض اليهود والمنافقين ومَن على شاكلتهم على تغيير القبلة، والحق أن كتاب اليهود نفسه وقع فيه النسخ، كذلك يقع النسخ في الشرائع، والآية هنا تشير
(1) راجع تفسير القاسمي = محاسن التأويل (1/ 25)