{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ ... } الآية تحولٌ خطابي خطيرٌ يتجه بالدلالة إلى عمقِ معايشةِ الموقف الخالد الذي تسجله الآيات؛ هذه العملية البارعة من الاستحضار للموقف من حيز التاريخ إلى بؤرة الشهود المباشر يستخدمها القرآن كثيرًا كأداةٍ خارقةٍ من أدوات بلاغته، وتأمل قوله تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] ، وتأمل كذلك قوله: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102] ، وكذلك قوله: {وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ... } [القصص: 45، 46] الآيات ...
إن نقل عالم الغيب إلى نور الشهود بهذه البلاغة يتخذ في القرآن عدة أساليب منها على سبيل المثال لا الحصر: -
-استعمال الفعل المضارع الدال على الحال في موضع ذكر ما مضى وكان، وقد أشرنا إليه كثيرا في موضعه كمثل قوله سبحانه: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} [فاطر: 9]
قال الزمخشري-عفا الله عنه: فإن قلت: لم جاء فَتُثِيرُ على المضارعة دون ما قبله، وما بعده؟
قلتُ: ليحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية، بحال تستغرب، أوتهمّ المخاطب، أو غير ذلك، كما قال تأبط شرا:
بأنىّ قد لقيت الغول تهوى ... بسهب كالصّحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران [1]
(1) فمن ينكر وجود الغول إنى ... أخبر عن يقين بل عيان
بأنى لقد لقيت الغول تهوى ... بسهب كالصحيفة صحصحان
فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران
لتأبط شرا. والغول: أثى الشياطين. والعيان: المشاهدة بالعين. والهوى: الهبوط. والمراد: سرعة العدو.
والسهب- بالفتح-: الفضاء المستوى البعيد الأطراف. والصحيفة: الكتاب. والصحصحان والصعصعان- بالفتح-:
المستوى من الأرض. والجران- ككتاب-: مقدم عظم العنق من الحلق إلى اللبة، وجمعه جرنة ككتبة، وأجرنة كأفئدة. يقول: فمن ينكر وجود الغول فقد كذب، فإنى أخبر عن يقين. ويجوز أن المعنى: فيا من تنكر وجود الغول، إنى أخبر إخبارا ناشئا عن يقين، وهو ما كان بدليل قاطع بل عيان ومشاهدة بالعين، بأنى قد لقيتها تسرع في مكان متسع مستو، وكرر الوصف بذلك توكيدا، وأظهر موضع الإضمار لزيادة تمكين الغول في ذهن السامع وللتهويل، وكان الظاهر أن يقول: فضربتها، لكن عدل إلى المضارع ليحكى الحال الماضية كأنها موجودة الآن مشاهدة فيتعجب منها، وتعلم شجاعته، أى: فجعلت أضربها بلا خوف فسقطت مطروحة على يديها وعنقها. وفعيل: يوصف به المذكر والمؤنث كما هنا.