فهرس الكتاب

الصفحة 522 من 604

ويبدو من الناحية الدلالية سؤال: إذا كان مستبدل الكفر بالإيمان بالفعل ضالًّا، فما فائدة الشرط وجوابه هنا؟ ويجيب الراغب في تفسيره بما لم أفهمه، وأفاد صاحب التحرير ما ملخصه: هذا استعمال عربي جيد يأتون بالجزاء ماضيا لقصد الدلالة على شدة ترتب الجزاء على الشرط وتحقق وقوعه معه؛ حتى إنه عند ما يحصل مضمون الشرط يكون الجزاء قد حصل؛ فكأنه حاصلٌ من قبل الشرط نحو قوله تعالى: {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى} (طه: 81) وهم يجعلون (قد) علامة على هذا القصد. وأحيانا يجعلون الجزاء ماضيا مريدين أن حصول مضمون الشرط كاشف عن كون مضمون الجزاء قد حصل أو قد تذكره الناس نحو قوله تعالى على لسان إخوة يوسف: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} [ (يوسف: 77) ودلالة الجزاء هنا أنه يحمل معنى كشف او ذكر ما سبق أن وقع فعلا حال ذكر ما يحضر، ومعناه هنا فلا تعجب إذ قد سرق أخ له، وفي الآية معناه: ومن يتبدل الكفر بالإيمان فالسبب فيه أنه قد كان ضل قصد السبيل من قبلُ؛ كما تقول: من يقع في الحفرة، فقد عشى بصره.[1]

ولكنني أقول: المعنى العميق لهذا التركيب فيه أن من يستبدل الكفر الذي هو منهج اليهود مع الوحي بالإيمان الذي هو هدايات القرآن فهو الضال بحق علم ذلك كفرا وضلالا أو جهله. فهو تأكيد لمعنى ضلالهم وإرشادهم أن طريق المتملصين من الشرع كفر. فتنبه.

وهو تذييل آخر وفيه تقرير للحقيقة التي تمحَّضت بعد فهم قضية مناكفة الأنبياء والتملص من منهجهم. القضية صارت إذن بين (إيمانٍ) و (كفر) . فحقيقة الإيمان هو التسليم الكامل لمنهج الله تعالى بتصديق خبره، والتزام أمره. كما أن الكفر هو رفض منهج الله تعالى وتركه إلى هوى النفوس. وهذا هو جوهر المفارقة والمفاصلة بين المسلمين الذين ارتبطوا بربانية المنهج، وأهل الكتاب من قبل حين حرفوا دينهم واخترعوا منهجا لهم وضعه أحبارهم ولذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (التوبة: 31) . فجوهر الإيمان الصحيح هو عبادة الله وحده، فإذا ما اعتُرض على منهج الله صار الأمر إلى الهوى، فصار الهوى إلها يُعبد من دون الله، كما قال تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} (الجاثية: 23) . فمن ترك لهواه العنان يقبل ما شاء من منهج الله

(1) راجع الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير (1/ 667)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت