وهذا الانتقال المفاجئ من الحديث عن انحرافات بني إسرائيل إلى ذكر سيدنا إبراهيم فيه تلك الدلالة الراقية على انتقال راية الملة الإبراهيمية من يد القوم الذين فرَّطوا في دينهم وكانوا شيعا، وحرفوا كتب ربهم، وقتلوا أنبياءه إلى يد المسلمين لله حقا المؤمنين بوريث إبراهيم -عليه السلام -وحامل راية التوحيد من بعده سيدنا محمد -صلوات الله وسلامه عليه.
وإذا كانت سورة البقرة تضع الدعائم الأصيلة لمنهج الإسلام عقيدةً وفكرا وعملا وسلوكا وسياسةً واجتماعًا، ففي هذه الآيات امتدادٌ لتربية أمة الخلود؛ أمة محمد - صلى الله عليه وسلم-التي تنتزع راية التوحيد والإسلام لتقوم بها إلى يوم الدين.
وقد ورد ذكر سيدنا إبراهيم في القرآن الكريم (69) مرة في (25) سورة. وقد ذُكر في كل موضعٍ بدرس جديدٍ من دروس الإيمان والتربية الربانية يمثله حضور مواقف هذا النبى العظيم الذي يمثل أرقى درجات اليقين والإيمان، وكل أنبياء الله -عليهم جميعا السلام -كذلك. وهذه هي القيمة الأولى لذكر الأنبياء وقصصهم في كتاب الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (يوسف: 111) . ولقد جاء القرآن - كما جاءت رسالة محمد -صلوات الله عليه - وحياته الشريفة تجسيدا حيا لكل قيم وأخلاق وعظمة الأنبياء قبله. وهذا ما نفهمه جليا من قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} (الأنعام: 90) ، ثم يأتي القول الفصل لهذا المعنى من اجتماع عظمة كل الأنبياء والشرائع في عظمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4) . وهذا هو مغزى وأصل منهج التربية الإيمانية في القرآن كله وفي سورة البقرة خصوصًا، فتأمل.
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم، وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي} ؛ شرع سبحانه هاهنا في ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وكيفية أحواله، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخصٌ يعترف بفضله جميع الطوائف والملل، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته. وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضا مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده، فحكى الله