قال ابن المنير السكندري في حاشية الكشاف [1] : والتعبير بالمضارع يفيد ذلك الاستحضار للحال دون الماضي، كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) } (الحج: 63) فعبر بالماضي ثم قال: {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً} ، فعدل عنه إلى المضارع إرادة لتصوير اخضرارها في النفس. وعليه قول ابن معديكرب يصور شجاعته وجرأته:
فانى قد لقيتُ القرن أسعى ... بسهب كالصحيفة صحصحان.
فآخذه فأضربه فيهوى ... صريعا لليدين وللجران.
(قلتُ: فعدل عن صيغة الماضي في قوله '' لقيت'' إلى تصوير المشهد في النفس بصيغة الحال ''أسعى، فآخذه، فأضربه، فيهوي''. فيالها من بلاغة التعبير القرآني الراقية واستعماله لأرقى أساليب التأثير في النفس بطريقة استحضار الصورة والمشهد حيًا في الوجدان والشعور بطريقةٍ بلاغية لطيفة.) ... أو لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل -أيضا-لأنهم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم والسحر، وقد قال، عليه السلام، في مرض موته: ''ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري''، وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره.
قال تعالى: {وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (88) }
هذا من جملة تفصيل الاستكبار عند القوم أنه: تكذيبٌ وتقتيلٌ ثم إعراضٌ.
(1) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 162) .