فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 604

(البقرة: 34) . والتكبر ينشأ عن الاعجاب بالنفس الذي هو أثر الجهل بها. وهو من الصفات التي متى تمكنت في النفس أوردتها المهالك، وساقتها إلى سوء المصير.

وقوله: {ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون} سببه الاستكبار فالفاء للسببية؛ فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقا أي صرَّحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب، وقتلوا فريقا، وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين: {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك} (هود: 9) .

وقدَّم تكذيبهم للرسل على قتلهم إياهم، لأن التكذيب أول ما يصدر عنهم من الشر.

وتقديم المفعول هنا {ففريقا كذبتم ... } لما فيه من الدلالة على التفصيل والتقسيم؛ كما في قوله تعالى: {فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة} (الأعراف: 30) . وهذا استعمال عربي كثير في لفظ (فريق) وما في معناه نحو (طائفة) إذا وقع في مقام التقسيم نحو قوله تعالى: {يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} (آل عمران: 159) .

وانظر كيف أورد خبر القتل بصيغة المضارع {تقتلون} التي تدل على الحال لاستحضار تلك الصورة الفظيعة، وتمثيلها للسامع حتى يمثلها في الخيال، وإن مرت عليها القرون والأحوال؛ لأنها أفاعيل لا تخلق جدتها، ودماء لا تطير رغوتها، وإن مثل هذا التعبير ليمثل تلك الصورة المشوهة؛ لأن الألفاظ إذا قرعت الذهن بمفهومها، يتناول الخيال ذلك المفهوم ويصوره بالصورة اللائقة به، فيكون له من التأثير ما يناسبه. [1] ... أقول: ومثله في القرآن كثير كقوله تعالى: {الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه} (الروم: 48) مع ما في صيغة تقتلون من مراعاة الفواصل فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم.

(1) تفسير المنار (1/ 312)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت