بروح القدس {وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} تكرير قول لا معنى له، والله أعز أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به.
واستدل ابن كثير أن (روح القدس) هو جبريل عليه السلام، بقوله تعالى: {نزل به الروح الأمين* على قلبك ... الآية} (الشعراء: 193 - 195) ، والحديث عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ''اللهم أيِّد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك''. (رواه أحمد وأبو داود والترمذي) ....
وقوله تعالى: {أفكلما جاءكم رسول .... الآية} تعقيبٌ عنيف من الحق تعالى بعدما مهَّد ببيان كفرهم وتكذيبهم، فالفاء للسببية، والاستفهام للتعجيب من طغيانهم ومقابلتهم جميع الرسل في جميع الأزمان بمقابلة واحدة تساوى فيها خلفهم وسلفهم مما دل على أن ذلك سجيةُ سوءٍ في الجميع.
قال ا/ محمد عبده رحمه الله: كان المعهود في التخاطب وكلام الناس أن تذكر هذه المساوئ ثم يوبخون عليها، ولكن طواها في الخطاب وأدمجها في الاستفهام لتفاجئ النفوس بقوة التشنيع والتقبيح، وتبرز لها في ثوب الإنكار والتوبيخ، وفي ذلك الإيماء إلى أن هذه المعاملة السوءى مما لا يخفي خبرها، ولا تغيب عن الإنكار صورها، فلا ينبغي الإلماع إليها إلا في سياق تقريع مجترحيها، وهذا من إيجاز القرآن الذي لا يعرج إليه فكر الإنسان .. [1]
{استكبرتم} والاستكبار الاتصاف بالكبر، وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعا لهم، (فالسين والتاء) في {استكبرتم} للمبالغة كما تقدم في قوله تعالى: {إلا إبليس أبى واستكبر}
(1) تفسير المنار (1/ 312)