شهد الحطيئة يوم يلقى ربه ... أن الوليد أحق بالعذر.
وفائدته البلاغية أن الإتيان بالمستقبل في صيغة الماضي يفيد الثبات كأنه حصل. ومنه قول الله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1 النحل) } فكيف يستعجل ما قد أتى، لكن الأمر في صدق وقوعه وحقيَّته كأنه أتى.
وهذا مما يعرفه الذين يمارسون لغة العرب ويتذوقونها. وليس مجرد الحفظ الجاف للقواعد والإعراب. وتأمل لذلك قول سيبويه إمام أهل النحو في تعريف الفعل بلفظ موجز جامع يذكر فيه دلالات الفعل وليس مجرد صيغه ليعلم أن الصيغ تحددها البلاغة فيقول: '' وأما الفعل فأمثلة أُخذتْ من لفظ أحداث الأسماء، وبُنيتْ لما مضى، ولما يكون ولم يقع، وما هو كائن لم ينَقطع''. وليُعلم أن تقسيم الفعل إلى ماضي ومضارع وأمر هو للتقريب ليس إلا. كما تقول لابنك: تذهب إلى عمك، فإذا بلغت عنده فقل له كيت وكيت. فتأمل استعمال اللغة هنا يزول عجبك.
نعود لنتجول مع الآيات التي تمضي مع اليهود في سورة البقرة، والتي تخترق هنا الحجب النفسية لتفصح لنا عن الأسباب الخفية وراء نكوص القوم عن الإيمان بما كانوا هم أنفسهم يحاجُّون به أهل المدينة والمشركين من قبل، إنهم يريدونها لهم فقط، لأنهم يظنون أنهم شعب الله المختار، يريدون أن يؤمنوا ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، يريدون نبيًا على مقاسهم يؤيد هواهم ويشجع نزواتهم، لا يريدون أن يلتزموا بأى شرعٍ بقوةٍ كما أُمروا، فيحرفون كلام الله تعالى من بعد ما عقلوه، يضعون دينهم بأيديهم، وتأخذهم اللجاجة لأبعد حدٍ حين تأمرهم أنبياؤهم بأمرٍ فيماطلوا ويجادلوا ويتشددوا ويستهزأوا بالرسل، هم أصلا يكذبونهم، ومَن لا يطاوعهم في غيِّهم من الرسل يقتلونه، وإن يوما قرروا الإيمان {فقليلا ما يؤمنون} ، تجدهم يتحايلون للتملص من الشريعة، فيستحلون بحيلهم الحرام ويظنون من