إزاء هداية القرآن، ويبين معالم الصراط المستقيم الذي يطلب المؤمنون من ربهم الهداية إليه كل حين .. ويعتني بوجه خاص بتصوير أدق اللمحات للمتقين الذين اهتدوا بوحي القرآن، وآمنوا بالله أخلص الإيمان، وتحملوا تكاليف الدين في خضوع وإذعان .. هذا إيمان الرسول ومن كان معه على إيمانه وأنهم قالوا:"سمعنا وأطعنا".. لا كقول بني إسرائيل"سمعنا عصينا".
فحصل من هذه السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال .. أخذًا وتركًا، وبيان شرف من أخذ به، وسوء حال من تنكب عنه، وكأن العباد لما علّمهم الله تعالى أن يقولوا"اهدنا الصراط المستقيم"، قيل لهم عليكم بالكتاب الذي لا ريب فيه إجابة لسؤالهم، ثم - بين لهم حال من سلك ما طلبوه، فكأن قد قيل لهم أهل الصراط المستقيم وسالكوه هم الذين من شأنهم وأمرهم، والمغضوب عليهم من المتنكبين هم اليهود الذين من أمرهم وشأنهم، والضالون هم النصارى الذين من شأنهم وأمرهم.
فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا، وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك، وأن يسلم الأمر لله الذي يَطلب منه الهداية ويتضرع إليه بأن لا يواخذه لما يثمره الخطأ والنسيان وألا يُحمّله ما ليس في وسعه وأن يعفو عنه.
فما أجمل ما اجتمعت عليه هذه السورة المباركة على تنوع مواضيعها وتنقلها البديع من غرض لغرض ومن معنىً لمعنى، ومن أسلوبٍ لآخر .. بلاغةً وفصاحةً وطلبًا للانتباه الدائم ودفعا للملل ..
اصطلح أكثر المحققين من أهل علوم القرآن أن القرآن العظيم من حيث زمن نزوله وتوجهات خطابه ينقسم إلى (القرآن المكي) وهو ما نزل قبل هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة؛ وإن كان نزوله بغير مكة، ويتميز خطابه بإرسائه للأصول العقدية والأخلاقية الأساسية في بناء الدعوة الإسلامية إذ أن الخطاب في تلك الفترة كان موجهًا للمهد الأول لدعوة الإسلام في مكة المكرمة وما حولها، واهتم الخطاب القرآني في تلك الفترة بالدعوة المجردة إلى التوحيد وتصحيح مفاهيم الاعتقاد ونبذ خرافات الاستعباد والأخلاق والعادات الردية السائدة في المجتمع الجاهلي.
ولأن المقصودين بالخطاب هم منبع الفصاحة والبيان جاء القرآن يخاطبهم بما برعوا فيه من أفانين الفصاحة والبلاغة .. يتحداهم ببديع نظمه وعجيب تركيبه