قرأت لأحد العلماء كلاما نفيسا قال فيه [1] :
ولا يجوز في الجملة القول في الأنبياء ــ عليهم السلام ــ بشيء يؤدي إلى العيب والنقصان فيهم، وقد أمرنا بحفظ اللسان عنهم؛ لأن مرتبتهم أرفع، وهم على الله أكرم، وقد قال عليه السلام:"إذا ذكر أصحابي فأمسكوا"فلما أمرنا أن لا نذكر الصحابة ــ رضي الله عنهم ــ بشيء يرجع إلى العيب والنقص، فلأن نمسك ونكف عن الأنبياء أولى وأحق فحق المسلم أن يمسك لسانه عما يخل بشرف نسب نبينا ــ عليه السلام ــ وليست من الاعتقاديات فلاحظ للقلب منها، وأما اللسان، فحقه أن يُصان عما يتبادر منه النقصان، خصوصًا إلى وهم العامة، لأنهم لا يقدرون على دفعه وتداركه. انتهى.
وكلامٌ نفيسٌ نقتنصه للشيخ الشنقيطي رحمه الله ـ في هذا الموضع أيضًا حول الرواية التي فيها قوله عليه السلام:"أبي وأبوك في النار".
قال- رحمه الله- ما ملخصه:
وكل ما ذكر في هذه الرواية يتعارض مع صريح القرآن الكريم مثل قوله تعالى"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا" [الإسراء:15] وقوله"لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم فهم غافلون" [يس:6] وقوله تعالى"كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى ..." [الملك:8] وقوله تعالى"ولكن رحمة من ربك لتنذر قومًا ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون" [القصص:46] وقوله تعالى"وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير" [سبأ:44] وقوله تعالى"رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" [النساء:165] وقوله تعالى"ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى" [طه:134] ...
فهذا كله يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب أهل الفترة، وقد صرحت بعض الأحاديث أنهم يمتحنون يوم القيامة كما ذكره ابن كثير -رحمه الله -عند تفسيره لقوله تعالى في سورة الإسراء"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا"
ثم يقول: ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم فيه بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة، وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض، وهذا القول هو الذي
(1) نقلا عن روح البيان حـ 1 صـ 395