يقول سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) } [البقرة: 94 - 96]
اعلم أن هذا نوع آخر من قبائح اليهود؛ وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة خالصةٌ لهم من دون الناس ويدل على أن هذا ردٌ على ادعاؤهم وجوه:- أحدها: أنه لا يجوز أن يقال في الاستدلال على الخصم (إن كان كذا وكذا فافعل كذا) ؛ إلا وأن ذلك مذهبهم ليصح إلزامهم بالحجة (وهذا من منطق الاستدلال وعلوم الاحتجاج والمناظرة، فتأمل تجد كل علمٍ نافعٍ في كتاب الله أصله وتهذيبه) .
وثانيها: ما حكى الله عنهم في قوله: {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى} (البقرة: 111) ، وفي قوله: {نحن أبناء الله وأحباؤه} (المائدة: 18) ، وفي قوله: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} (البقرة: 80) ، (فتأمل لحمة الآيات القرآنية تجدها في مجموعها تتصل لترسم ملامح الدلالة والمعاني واضحة جليةً لكل متدبِّرٍ بصير) .
وثالثها: اعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون، وأن سائر الفرق مبطلون. ورابعها: اعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام - أعني يعقوب وإسحاق وإبراهيم - يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه، ثم إنهم لهذه الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة