وإذا تأملت قوله تعالى من سورة القارعة {وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11) } .. كيف جعل من النار الحامية أمًَّا في احتضانها أهل الكفر والخسران وضمِّها لهم، وكأن نفوسهم القاسية وأرواحهم الضائعة ولدت من قسوة النار، فبئست الوالدة لبئس الولد .. على العكس تماما من صورةٍ ناصعةٍ بارعةٍ سبقتها .. يرسمها القرآن العظيم بكلمةٍ واحدةٍ في مقابل تلك الصورة المريعة لأصحاب النار .. حينما يقول ربنا {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) } .. لقد ارتسمت في النفس المعاني الكثيرة والرائعة حين أعلمنا القرآن أن ذات العيشة في الجنة (راضية) ، فكيف بمن يحيونها؟!!
ثم قف معي عند قوله سبحانه: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} (154 الاعراف) كأن الغضب كان يغريه على فعل ويقول له: قل لقومك كذا وألق بالألواح، وجر برأس أخيك .. وهو تصوير بليغ لتملك الغضب عقل الإنسان وحواسه كأنما يحركها عن أمره وكلامه .. قال في الكشاف (وإلا فما لقراءة معاوية بن قرة: ولما(سكن) عن موسى الغضب، لا تجد النفس عندها شيئًا من تلك اللذة والطرفة، و لا طرفا من تلك الروعة) ا. ه.
ثم تأمل معي قوله تعالى { ... فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77 الكهف) } .. وكأن الانهيار إرادة حيٍ قد يأس من ضعفه و تآكله فتاقت نفسه لانهدامه .. هذا الشعور بوشك الانهيار الذي يتخلل وجدانك بمجرد سماع الآية، لتكون في مسرح الحدث لا مستمعًا له وحسب. وهذه هى طريقة القرآن .. يأخذك في رحلاته، ينقلك إلى عالم العِبرة، وفضاء الخيال إلى عمق الحدث؛ والذي لم يعد لدى المتدبر مجرد خيال؛ بل هو حقٌ يراه بأم عينيه؛ ليجعلك وكأنك إحدى أدواته الفاعلة التي يرسم بها تصويره على أعلى ما تكون الصورة في الروح والشعور .. {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) } (الزمر 23) .