الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: 21] [1] .
أقول: إن التصوير البليغ والفريد هو الأداة المفضلة والأثيرة للتعبير القرآني، وما ذلك إلا لأن التصوير ينقل المعنى من دائرة العقل واللوازم العقلية إلى بؤرة الوجدان وعميق الروح؛ لتفرز ذلك التفرد العجيب لفعل القرآن في النفس .. وإليك ما قال الزمخشرى في الكشاف عند تفسيره لقوله تعالى {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) } (يونس 24) قال: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال؛ بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعدما التفَّ وتكاثف وزُيِّن بخضرته ورفيفه .. وفي قوله تعالى"أخذت الأرض زخرفها وازينت"قال: جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من حلل الزينة.) [2] ا. ه .. قلتُ: وما أوقعه في النفس هذا التعبير عن تلك العروس التي تزينت بكل زينةٍ لتلقى حتفها ونهايتها، وما أدعاه للفرار واليأس منها .. فكذلك حينما تأسرك التعبيرات التصويرية القرآنية لينصهر في روحك معنىً لا يبلغه أى تعبيرٍ سوى القرآن ..
واقرأ متدبرا قوله تعالى {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة 81) .. هذا التعبير الراقي عن أثر الخطيئة التي تظل تضيق على الخاطئ حتى يختنق بها، فلا مفر له منها، وهى لم تترك له منفذًا.
(1) (من كتاب التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية، علي علي صبح، الناشر: المكتبة الأزهرية للتراث، ج 1 ص 59 بتصرف يسير) .
(2) (الكشاف ج 2 ص 133)