(والقرآن الكريم حين خاطب العقل والشعور والعاطفة والوجدان، والروح والقلب جميعًا، خاطبها بأجل الوسائل في التعبير، فبهرها بـ(التصوير القرآني) ، التي تلتقي فيه كل روافد الإعجاز، ليكشف عنها أروع كشف، في جلاءٍ ووضوحٍ، وتأثيرٍ وإقناع.
فالتصوير القرآني هو قمة الإعجاز، لأنه بمعناه الواسع العميق والشامل الثري بقيمه الكثيرة، يفيض بكل ذلك، فهو جسد وروح معًا، لا ينفكّ أحدهما عن الآخر، ولا نقصد بالتصوير الصور التقليدية والجزئية التي اقتصرت على ألوان البيان، كالتشبيه والاستعارة والكناية وغيرها، أو اقتصرت على اللفظ والعبارة، أو اقتصرت على النظم في علاقة الكلمات بمعانيها وترابطها، دون الأبعاد النفسية والشعورية، التي يعلمها خالق النفس والشعور سبحانه وتعالى، بل إنه الأمر الأعمق من كل ما سبق، والأرحب أفقًا.
إن التصوير القرآني كائن حي خالد، يلتقي فيه ما اجتمع في الإنسان من كل وسائل الحياة في ارتباط شكله بمضمونه جملة وتفصيلًا، وما وراء ذلك من مشاعر النفس وخوالجها، ... ومن مقومات التصوير وعناصره، التي تملك زمام التأثير على النفس وتدفع صاحبها إلى الاقتناع العقلي على سبيل الاعتقاد الصادق، والإيمان الراسخ .. والتأثير والإقناع هما الغاية من الإعجاز في التصوير القرآني، وبهما تحول الوليد بن المغيرة من معاندٍ مجادلٍ إلى مهزومٍ ضعيفٍ، يسترحم محمدًا صلى الله عليه وسلم، ويضع كفه على فمه الشريف فزعًا مذعورًا ويقول:"أمسك عليك يا ابن أخي"، ثم يذهب إلى صناديد الكفر، الذين كانوا ينتظرون منه الفتك به والقضاء عليه؛ فإذا بالحق ينطق به قلبه وعقله، وينطلق على لسانه، ليجري مجرى المثل والحكمة - وإن كان المثل من الكافر، فذلك هاهنا أبلغ - فيصف التصوير القرآني بقوله:"إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلَى عليه"،وصدق الله العظيم إذ يقول تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا