فهرس الكتاب

الصفحة 560 من 604

هذه المحاولة الفاشلة، الخاطئة المنهج ابتداء. فلما أن أراد بعض متفلسفيهم متأثرين بأصداء الفلسفة الإغريقية-على وجه خاص-أن يتطاولوا إلى ذلك المرتقى، باءوا بالتعقيد والتخليط، كما باء أساتذتهم الإغريق! ودسوا في التفكير الإسلامي ما ليس من طبيعته، وفي التصور الإسلامي ما ليس من حقيقته. وذلك هو المصير المحتوم لكل محاولة للعقل البشري وراء مجاله، وفوق طبيعة خلقته وتكوينه. [1]

{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ .... }

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) } (البقرة: 118، 119)

اختلف علماء المعاني في المقصود بهؤلاء الذين لا يعلمون فقال بعضهم: هم اليهود الذين يتوجه إليهم الخطاب تبكيتا في أكثر هذه السورة، ورأى الطبري مرجحا: أنهم النصارى الذين ادعوا لله الولد، فقال جل ثناؤه، مخبرا عنهم أنهم مع افترائهم على الله الكذب، تمنوا على الله الأباطيل، فقالوا جهلا منهم بالله وبمنزلتهم عنده وهم بالله مشركون: (لولا يكلمنا الله) ، كما يكلم رسوله وأنبياءه، أو تأتينا آية كما أتتهم؟ وكيف يؤيد الله الكاذب المشرك بكلامه ومعجزاته.

وقال آخرون: هم مشركو العرب. والحقيقة أنني أرى أن هذا هو الأقوى ومنه يتفرع الخطاب لبقية أهل الجهل، لما في خصوصية الخطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام وأتباعه من دلالة، حيث انتقل من بيان مخازي اليهود والنصارى وافترائهم ما ليس لهم به علم إلى تثبيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وتسليته والمؤمنين، بعد تكذيب المشركين من العرب ومماطلتهم للرسول سنين، فهؤلاء الأميون الذين لا يعلمون اتبعوا ديدن الذين كانوا قبلهم من أمم أهل الكتاب الضالة في التشغيب على أنبيائهم. فهذا انتقال خطابي لطيف يربط بين تربية الأمة المحمدية بالعبرة من مزالق الأمم الضالة، وبين تسلية النبي وأتباعه لما يصيبهم من تكذيب أقوامهم وتشغيبهم.

ويؤيده لحاقُ هذه الآية: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} فكأنه سبحانه يقول لنبيه الكريم: هذه مهمتك البشارة والنذارة، وليس عليك هداهم إذا ما اتبعوا هواهم فهووا في الجحيم.

(1) في ظلال القرآن (1/ 106)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت