وفي الحقيقة فإن هذا الإبهام في وصفهم ب {الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} يمكن أن يشمل كلا أهل الكتاب تبعا مع المشركين أصالةً، ويربطهم جميعا برباط الجهل الذي اتكأ عليه التعبير. ويعتبر هذا من مناحي الإعجاز القرآني في اتساع الدلالة، الذي يجعل كلا الإجمال والتفصيل دالًا بديعا في موضعه. والله أعلم.
وقوله تعالى: {لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ} أى هلَّا يكلمنا الله كما يكلم الملائكة وكلم موسى؟ يقولونها استكبارًا منهم وعتوا.
وقوله: {أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ} يقولونها جحودًا واستهانةً، ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإن الرسل، قد جاءوا من الآيات، بما يؤمن بمثله البشر، وبما يبعث اليقين بصدق الرسل في التبليغ عن الله.
{تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أي قلوب أولئك الجاهلين والذين سبقوهم في العمى والضلال.
قال تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يوقنون} فلو كانوا منصفين لأدركوا أنها معجزات بيِّنات يجب الاعتراف بها، والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها؛ فمن أراد اليقين فعليه بها. أو لما تقدم ذكر الجاحدين وطلبهم ما لا يجوز لهم أتبع ذلك بذكر بيان الله المعجز الذي تقوم به الحجة، لكن البيان وقع وتحصل للموقنين فقط، فلذلك خصهم بالذكر.
قال سبحانه: {إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ} أَيْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَةِ، متلبسًا بالحق مُحاوَطًا به في كل ما تقول وتفعل كما قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3، 4) . وَفُسِّرَ الْحَقُّ هُنَا بِالصِّدْقِ وَبِالْقُرْآنِ وَبِالْإِسْلَامِ، والأمر على عمومه. وَبِالْحَقِّ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ أَرْسَلْنَاكَ وَمَعَكَ الْحَقُّ لَا يُفارقكَ.
{بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي: بشيرًا لمن اتبعك، ونذيرًا لمن كفر بك، لأن تبشر الطائع المهتدي وتنذر العاصي الجاحد؛ لا لتجبر الناس على الإيمان، وهذه تسليةٌ لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وتسريةُ عنه، لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر. فلذلك قال بعدها: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} أي ولا نسألك عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلَّغتَ، وبَلَغْتَ جهدك في دعوتهم، كقوله تعالى في الآية الأخرى: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} ، وقوله {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} ، وقوله: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ} ، وقوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} .