وقرأ الإمام (نافع) وحده: (وَلا تُسْأَلُ) على النهى وجزم الفعل (ولا تسألْ) وفيه من المبالغة في استعظام ما ينالهم من العقاب حتى إن السامع لخبره ليصيبه ما لا يقدر أن يتحمله من سماع ذلك، كما تقول: كيف فلان؟ سائلا عن الواقع في مصيبة، فيقال لك:"لا تسأل عنه"أي إن حاله أشد من أن يُحكى. [1]
وهذا الذي رجحته وذكرته وحده في مقصود الآية يتفق مع جماليات البلاغة القرآنية واستقصائها لأفصح أساليب العربية، وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا المقطع {ولا تسألْ عن أصحاب الجحيم} على قراءة من جزم الفعل نزل في سؤال نبى الله - وحاشاه-عن مصير أبويه؛ والعجب من تطاول هذا الذي تأول ذلك، واستقطاعه النص من سياقه، وحشره لروايته فيما لم يُسَقْ له الكلام أصلًا؛ فكأنه فصل تفسير هذا الجزء عن الآية كلها لأجل روايته الواهية تلك، ثم إن هذا التأويل - لو ساغ- في إحدى القراءتين وليس ينطبق على قراءة الجمهور، ثم إن الرواية التي ساقوها في ذلك ضعيفة مرسلة من كل طرقها. [2]
وبهذا يتبين سقوط هذا التأويل عقلا ونقلا، فلا يجوز تفسير الآية به عند التحقيق. وليس كل ما ذكرته التفاسير يُنقل، وخصوصا إذا كان تحكما لا يتفق وسياق القرآن، فكيف إذا كان به من الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا منهجي والله المستعان.
(1) راجع تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (1/ 182) بتصرف وبيان.
(2) ؛ فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي: تابعي. والمرسل لا تقوم به حجة، ثم هما - عند الطبري وغيره-إسنادان ضعيفان أيضًا، بضعف راويهما: موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي: ضعيف جدا منكر الحديث، مترجم في التهذيب. وروى ابن أبي حاتم عن الجوجزاني قال:"سمعت أحمد بن حنبل يقول: لا تحل الرواية عندي عن موسى بن عبيدة، قلنا: يا أبا عبد الله، لا يحل؟ قال: عندي، قلت: فإن سفيان وشعبة قد رويا عنه؟ قال: لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه". وقال ابن معين:"لا يحتج بحديثه". وقال أبو حاتم:"منكر الحديث". والحديث الآخر الذي أورده الطبري بإسناده عن داود بن أبي عاصم عن النبى صلوات الله عليه، وهو تابعي ثقة والحديث أيضا لا يصح لإرسالة ولا تقوم به الحجة. انظر تحقيق العلامة الشيخ شاكر على تفسير الطبري = جامع البيان (2/ 558) .
وقد ذكر هذه الرواية كثير من المفسرين دون تعليق منهم. الزمخشري في الكشاف حـ 1 صـ 181، ومنهم ابن الجوزى في زاد المسير حـ 1 صـ 137، ومنهم السمرقندي في بحر العلوم حـ 1 صـ 115 ومنهم البيضاوي حـ 1 صـ 392 ومنهم النسفى حـ 1 صـ 68، ومنهم السمعاني حـ 1 صـ 132 والواحدي حـ 1 صـ 129، ومنهم الصنعاني حـ 1 صـ 77، ومنهم ابن جزى في التسهيل حـ 1 صـ 59.
وقد رد هذه الرواية كثير من المحققين من العلماء والمفسرين منهم القرطبي رحمه الله حـ 2 صـ 64، وابن عطية، وأبو السعود حـ 1 صـ 152، والآلوسى حـ 1 صـ 371، والثعالبي حـ 1 صـ 103، والخطيب الشربيني في السراج المنير حـ 1 صـ 89.و غيرهم.